مقالات

عندما يصبح رجال الدولة صناع أزمات !

الإباء / متابعة ………

لا بدّ لرجل الدولة أو صانع القرار أن يظهر دائماً أمام وسائل الإعلام لبيان رؤيته وتحليلاته للأحداث الشائكة والمعقدة والساخنة وتلك التي تهم مواطنه وتمس احتياجاته ومتطلباته، وأن يحرص على اختيار مفردات تغريداته أو خطاباته فضلاً عن اتقانه للغة الجسد وإن لم يكن يحظى بالكاريزما، ليبدو رجل دولة حقيقي لاسيما إذا كانت دولته تواجه أزمة حادة توشك بالإنهاء على استقراره السياسي والاقتصادي.

ونستشهد بمقالنا هذا برجلين تصدوا لحلّ وإنهاء أزماتٍ عدّة، ودون ضجيج وظهور إعلامي، أولهما: زعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي الألماني هانز يورغن فيشنيفسكي (المتوفى 2005) الذي عمل خلال السنوات العشرين الأخيرة من عمره خبيراً في الأزمات، وقد أكسبته معرفته بالعالم خبرة واسعة سمحت له بالقيام بمهمات ناجحة لحل الأزمات التي واجهت بلده فضلاً عن صفته كمفاوض بارع. وثانيهما الأكاديمي والسياسي والمسؤول الحكومي التركي فؤاد أوكتاي (المولود عام 1964) الذي برز مؤخراً كرجل لحلّ الأزمات في تركيا، فخلال الأزمة الاقتصادية عام 2001، شارك أوكتاي في أدوار إدارة الأزمات في بلده وقام بصياغة العديد من الاتفاقيات في مجال إدارة المخاطر والأزمات مع الدول الأخرى نيابةً عن الحكومة التركية.

وفي المقابل هناك رجال يصنعون الأزمات، ويغدون مثاراً للتساؤل والجدل معاً.

فهذا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي توصف دولته بأنها الأكثر قوة وتأثيراً في العالم سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً، يصرح في تغريدة على تويتر “إن هناك أدلة كثيرة ودامغة على وقوع تزوير في الانتخابات الأميركية”، يتهم العملية الانتخابية في بلده بالتزوير؛ لأنه فقط خسر في الانتخابات! وهو يعرف جيداً أن النظام الانتخابي في بلده يحظى باحترام كبير بسبب جذوره التاريخية في تأسيس الولايات المتحدة، كما لا يختلف اثنان أنّ الولايات المتحدة قطعت أشواطا مهمّة في نظامها الذي يعدّ الأكثر ديمقراطية في العالم، ولا يعلم الرجل أن اتهام الديمقراطية الأمريكية يعني اتهام صريح لولايته المنتهية.

تغريداته الباعثة على السخرية سترهقنا بالقلق على مصير الانتخابات القادمة في القبائل الافريقية! وسنحمد الله ونشكره على احتراق بعض صناديقنا الاقتراعية فقط!

أما التصريح الثاني فكان لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، إذ قال في مؤتمر صحفي: “ستواجهنا مشكلة رواتب في الشهر الواحد من هسة.. مو تقولون الحكومة ما دفعت!.. من هسة واضحة الأمور”!..

ولا أدري لماذا ذكرتني مقولته هذه بمقولتنا منذ كنا صغاراً: “من هسة أقول لكم أني معليه”!

يا دولة رئيس الوزراء تصريحكم هذا لم نفسره على أنه مصارحة لشعبكم بل عجز واضح في إدارة الدولة، وأن هناك عقوبة جماعية ستطال ملايين الموظفين والمتقاعدين.

لقد روعتنا بتصريحكم هذا، وجعلت ذاكرتنا تعود بنا لأيام الحصار البغيض. ما ذنب الموظفين التي قد تصل خدمة بعضهم إلى ما يزيد عن ثلاثين سنة لتفجعهم بهذا التصريح؟ّ ما ذنب المتقاعدين الذين أفنوا عمرهم لخدمة بلدهم يدفعوا ثمن سوء إدارة الدولة وسوء استثمار مواردها؟! ما ذنب العوائل العراقية التي تنتظر استحقاقها الشهري تدفع ثمن افلاس خزينة نهبها الفاسدون والبحث عنهم ليس صعباً؟!

لقد زعزع تصريحكم استقرار مواطنيكم واقض مضجعهم، وسيؤثر حتماً على السوق العراقية التي تعاني الكساد منذ شهور، أي قبل فايروس كورونا، التي وقع ضحيتها اقتصادياً الكسبة وذوي الدخل المحدود.

كنا نأمل برئيس الوزراء أن يتمتع برؤية ثاقبة يعمل جاهداً ليحيا شعبه حياة كريمة مستقرة، وينتشل بلده العراق من واقعه الهش الذي نخره الضعف والفساد، وأن يدرك الأزمات بحلول ناجعة قدمت إليه ليس من وزرائه ومستشاريه فقط بل أيضاً كمقترحات من جهات عديدة: أكاديمية وبحثية واستشارية لكنه فضل التصريح المتضمن معنى “أني معليه” هروباً من المسؤولية، المدرِك لثقلها قبل تسنمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى