تقارير

كيف تصبح قارئا نوعيّاً ؟

 

القراءة باختصار تعني كسْبكَ لتجارب لم تقم بها بنفسك، وهذا يعني اختصار الجهود التي تُسهم في تطوير الشخصية، يحدث ذلك عبر تطوير الأفكار وتنويعها، حيث تمنحنا القراءة أفكاراً جديدة قد تدفع بنا خطوات متلاحقة إلى أمام، إذاً القراءة هي وسيلة لتغيير حياتك، وتطويرها، حيث تمنحك خاصية يفقدها الأشخاص الذين لا يقرأون، وهي خاصية مواكبة التطوّر.

هذه هي أهمية القراءة، فما هي أهمية الكتاب؟، قبل ما يزيد على نصف قرن، كانت القراءة تفرض نفسها على المشهد العراقي اليومي، وكانت العلاقة بين القارئ والكتاب متينة، إذ يمكن ملاحظة الناس وهم يحملون الكتب في الحدائق العامة والمقاهي وحافلات النقل وسواها، وحين كنا صغارا، كنا نندهش من كثرة قراء الصحف وكتب الجيب ونحبّذ هذا الفعل وننظر إلى من يقوم به على أنه مثقف، فكانت هناك رغبة جماعية بالقراءة.

الناس بطبيعتهم يتأثرون بالآخر، لاسيما بمن يحمل كتابا أو صحيفة، وهكذا كانت السيارات تمتلئ بقراء الصحف وكتب الجيب، وكان الركاب لا يخجلون من بعضهم إذا طلب أحدهم الصحيفة من الآخر، فالذي يطلب الجريدة لا يتردد ولا يخجل من ذلك، والذي يمتلك الجريدة يفرح عندما يطلبها راكب آخر منه، ويحدث هذا في المقاهي وفي الحدائق العامة أيضا.

من الغريب حقا – بعد أن مرّ على العراقيين عشرات السنين- نجد أن القراءة فعل غير شائع، على العكس مما يجري في العالم المتطور، حتى وصلت العلاقة مع القراءة إلى قطيعة شبه تامة، إذ لم يعد يهتم بها إلا الوسط المستفيد منها، أو الذي يعمل في الوسط الكتابي (الصحفي والأدبي)، مع قلة من القراء لا تشكل نسبة مهمة من المجتمع.

متى يرتفع سقف الجهل ولماذا؟

على ماذا يدل ذلك؟، سؤال يرتفع بسقفه إلى درجة الخطورة من الجهل أو التجهيل، لماذا ضعف الإقبال على القراءة كفعل فكري يومي يشكل غذاءً للروح، إن ما نعيشه حول العلاقة بين المجتمع والقراءة، يعطي تصورا حقيقيا مخيّبا، فقد تحولت القراءة إلى ترف بالنسبة للعراقيين الذين انشغلوا بكسب قوتهم اليومي، وصار اقتناء الكتب حاجة كمالية، وثمة أسباب أخرى جعلت الكتاب الورقي شبه مهمل، منها توفرّه في المنصات الإلكترونية.

ومع توفرها مجانا إلا أن القراءة على وجه العموم لم تعد تقليدا يوميا للعراقيين، فقد انشغلوا بتعويض الجانب المادي المفتقَد، وانهمكوا بشراء أجهزة التلفاز والستلايت والموبايل، ثم أجهزة الكومبيوتر، والانترنيت، ثم الأجهزة المنزلية عموما، وبقي الكتاب في أسفل قائمة الاحتياجات، وبقيت القراءة حاجة غير مرغوب فيها، ولا يعبأ بها إلا من يعمل في الصحافة أو الأدب. حتى وصلت العلاقة بين القارئ والكتاب درجة الصفر.

هنالك أسباب لابد من تأشيرها ومعالجتها، فالقراءة تعني صنع مجتمع مثقف مفكر وفاعل، قابل للتغيير والتطور، لكن القراءة باتت تقليدا مهمَلا، وقد يستغرب أحدنا حين ينظر إلى شخص ما وهو يرتكن إلى مقعد في حديقة عامة ويقوم بالقراءة!، وفي الحديث عن الأسباب، لا بد أن نضع الحكومة والجهات المعنية بالثقافة في صدارة المسؤولية عن هذه النتائج الخطيرة، لاسيما المؤسسات والمنظمات التي تُعنى بالتطوير الثقافي.

وإذا كانت المؤسسات الحكومية المعنية بالثقافة والقراءة لا تقوم بدورها لأسباب معروفة، فهذا لا يعني أن تُصاب المنظمات المدنية الفكرية الثقافية بالشلل، والتقصير في أداء مهامها، فهذا النوع من الخلل يخلق مخاطر لا حدود لها، لأن الشعب الذي لا يقرأ سيعيش مع الثالوث القاتل (الجهل/ المرض/ التخلف) وهو ما حدث للعراقيين فعلا، مما جعل قضية اختراق البنية الاجتماعية أمرا متاحاً لمن يسعى نحو هذا الهدف.

خطوات تطبيقية لتطوير الأفكار

هناك من يرغب حقا في الإبقاء على العراقيين في حالة جهل، وعدم قدرة على التطور، وتقليص فرص التغيير والتقدم أمامهم، ولكن هذا لا يعني غياب الأسباب الداخلية الذاتية التي أسهمت بصنع فجوة خطيرة بين العراقيين والكتاب، ومن ثم بينهم وبين فعل القراءة الذي سبق وقلنا بأنه الفعل القادر على منحنا الخبرات الكبيرة، عبر الإطلاع على التجارب الفكرية والثقافية التي تعرضها لنا الكتب، من خلال مؤلّفين ومفكرين ذوي عقول مائزة.

لابد للعراقي أن يصبح قارئا نوعيا، السؤال هو كيف يمكن أن نحقق هذا الهدف الذي سوف يأخذ بالعراقيين إلى جادة الصواب والتي ستقودهم بدورها، إلى مصاف الأمم والدول المتقدمة؟

الخطوة الأولى تتعلق بصنع الرغبة الذاتية للقراءة، فكل فرد عليه أن يفهم أولا ماذا تعني القراءة، وما هي الفوائد العظيمة التي يمكن أن يفوز بها في حال عقد مع القراءة علاقة وطيدة، إنه باختصار سوف يكون قادرا على تجديد أفكاره بشكل مستمر، وسوف يغادر ظاهرة الجوع الفكري، فالقراءة كما وصفها كثيرون هي غذاء الروح الذي يجدد محتويات خزائن العقل.

إذا توافرت لديك الرغبة، هناك خطوة ثانية لا تقل أهمية عن الأولى، عليك أن تركّز على ما تهتم به من أفكار، كونها تعنيك جيدا ويمكنها أن تغيّر حياتك، من خلال تجديد أفكارك ورفدها بالجديد دائما، إذاً خطوة الاختيار الصحيح للمضامين والأفكار التي تحبّذ هضمها والإطلاع عليها تعد خطوة مكملة للخطوة الأولى.

ولكي تكون قارئا نوعيا، عليك أن تسعى لتطبيق التجارب التي قرأتها في واقعك، فلا فائدة من الأفكار التي تبقى هاجعة في الرأس دون تطبيق في واقع حياتنا، ومع العلاقة التبادلية (المكوكية) بين قراءة الأفكار الجديدة وتطبيقها، يمكنك أن تحذف وتضيف وتصحّح وصولا إلى النتائج التي تخطط لها، وهي في المحصّلة يجب أن ترتقي بك وبتفكيرك وبحياتك كلّها.

هكذا لاحظنا أهمية القراءة، ورأينا إمكانية أن يصبح كل فرد منا قارئا نوعيا، وفي حال أُنجِزَت هذه الخطوات بنجاح، فإننا سوف نكون أمام قارئ نوعي حقا، ليس هذا فحسب، بل أننا سوف نكون أمام إنسان يمكنه أن يغيّر حياته ولا يكتفي بذلك، فيذهب إلى التأثير في الآخرين ويدفع بهم نحو تجديد أفكارهم عبر القراءة، وهي مهمة ممكنة التحقيق.

المبادرة فردية في ظاهرها، أي أن كل فرد عليه أن يبادر كي يصبح قارئا نوعيا، ولكن في الواقع هناك عوامل مساعدة أخرى، تدفع بالأفراد والمجتمع كي يكون قارئا نوعيا، هذه العوامل المساعدة ترجع إلى مجموعة التحفيز التي يمكن للجهات الثقافية المختلفة، الحكومية والمدنية من تقديمها للأفراد أو للمجتمع عموما، ومن خلالها تكون هناك انطلاقة جماعية نحو القراءة وتجديد الأفكار، ومن ثم تجديد وتطوير تفكير وسلوك المجتمع برمّته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى