مقالات

“ألسيادة بعين الجماهير”

 

لم أجد تعبيراً أدق عن السيادة بمفهومها السياسي العام المرتبط بالدولة وهي تمارس اختصاصاتها الوظيفية ؛ من تعبير (روسو) في كتابه {العقد الأجتماعي }الذي قال عنها فيه ((أن السيادة ليست إلا تعبيراً عن الإرادة العامة، ويمتنع على الأفراد التنازل عنها، لأن هذا التنازل يؤدي بشكل قهري إلى زوال الإرادة))
هذا المعنى الذي يفرض على الدولة ونظامها السياسي أن يكون معبراً عن إرادة الشعب وعن ثقافته وعقيدته وحتى أعرافه.
وأن تتجلى وتنعكس هذه الثقافة والموروث الحضاري والقيمي في سياق منظومة التشريعات والقوانين الداخلية والخارجية وتطبيقاتها.
صحيح أن المظهر الخارجي للسيادة الوطنية للدولة يحتم عليها الألتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية. لكن لايصل الى حد التقاطع والتناقض مع ثوابت الأمة، وإلا لغدا هذا الإلتزام مظهراً من مظاهر تكبيل الشعب لنفسه ، ورهن لأرادته بيد القوى الخارجية أياً كانت عناوينها .
وبطبيعة الحال فإن هذا الأمر مرهون بقدرة الشعب على إفراز نظام سياسي منسجم الى أقصى حد ممكن مع تطلعاته ، حتى وإن خالفت إرادة المجتمع الدولي في هيئاته ومنظماته الرسمية، كي يتمكن ذلك النظام من فرض إراده شعبه في المحافل الدولية ويحول دون ذوبان خصائصه وميزاته في المجتمع الدولي.
هذا الأمر الذي استشعرته جملة من الدول التي تحترم سيادتها ، والتي فهمت من السيادة هذا المعنى العميق كالجمهورية الأسلامية في إيران وبعض دول أمريكا اللاتينية ، فتحولت الهيئات الدولية لديها الى ميدان من ميادين المقاومة لأثبات وجودها والمحافظة على هويتها،
مدعومة بزخم وتأييد شعبي كبير، حين تيقنت تلك الشعوب أن نظامها السياسي يعبر عن هويتها تعبيرا حقيقياً .
أما على الصعيد الداخلي فالأمر غير منفك عن التأثيرات الخارجية بحال،
ففي دولة مثل العراق الآن تعجز فيه الحكومة أو تمتنع عن وضع مناهج تربوية ودراسية تلائم الأعم الأغلب من أبناء هذا الشعب ولاتتمكن من تحديد الوجهة الأقتصادية التي تخدم مصالحها ،
وتضعف عن أرغام الأمريكان على إخراج قواتهم العسكرية من أراضيها، وتجبر بشكل وآخر على الإقتراض من البنك الدولي ، فإن هذه الدولة إن لم تكن مسلوبة السيادة فإن سيادتها منقوصة في الواقع .
ومن هنا تأتي ضرورة التدخل المباشر من قبل الأمة وفقاً للآليات والأدوات الصحيحة للعمل على استرداد واستعادة إرادتها ،
وإن اقتضى الأمر بعد استنفاد تلك السبل اللجوء الى الوسائل الثورية، ومنها كخطوة أولى هي المقاومة من خلال التركيز في الدرجة الأساس على علة العلل المتسببة بخرق السيادة وسلبها وهو (الأحتلال الأجنبي ).
إن مكمن الخطر في وجود الأحتلال وسلب السيادة الوطنية يعود لحتمية الأنسلاخ القيمي والمعرفي لدى الأمة بعد مضي مدة على تغلغل المحتل وهيمنته على البلاد، إذ لن الأمر عند مجرد سلب الأرادة حتى نقول بأنها قد تكون وقتية .
أبداً ؛ إن عملية خرق السيادة تأخذ منحى تدريجياً يبدأ بمرحلة التعدى والاعتداء وتنتهي بمسخ هوية الأمم وتغيير متبنياتها العقائدية والفكرية الأصيلة بشكل جذري .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى