أخبارتقارير

تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.. ضرورة من أجل العراق

قناة الإباء/ متابعة
في وقت سابق من القرن العشرين، كان العراق دولة تعتمد على الزراعة إلى جانب قطاع نفطي ناشئ فحسب. ومع اقتراب عام 2020، يعتمد العراق الآن بشكل كبير على النفط باعتباره مصدر الدخل الرئيسي، حيث تعتبر الحكومة أكبر جهة توظيف بينما يمر قطاع الزراعة بأزمة.
ولكن يعاني قطاع النفط والغاز الطبيعي نفسه أيضا من عدم التطور بدرجة مناسبة. في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” في يوليو، تم وصف العراق بأنه يمثل حالة “نادرة”، إذ إنه يستورد الغاز الطبيعي على الرغم من أنه يتم حرق الغاز الناتج من آبار النفط في الهواء بدلاً من استخدامه. يمكن لهذا الغاز المهدر أن يمد ما يصل إلى 3 ملايين منزل بالطاقة، ويساعد في إحياء التصنيع مرة أخرى في بلد لا يزال يعاني من مشاكل بنية تحتية في قطاع الكهرباء بشكل عام.
وتعاني الزراعة في العراق أيضًا، ليس فقط لأنها تأثرت بالتغير المناخي، بل تم تقويضها بسبب المنتجات المستوردة الرخيصة، خاصة من إيران المتضررة من العقوبات، مما جعل الكثير من المنتجات غير مربحة.
وأوضح فرانك آر. غونتر، مؤلف كتاب “الاقتصاد السياسي للعراق: استعادة التوازن في مجتمع ما بعد الصراع”، أن البلاد لا توفر وظائف كافية لسكانها الآخذين في الزيادة، علاوة على أن مشاركة المرأة في القوى العاملة “منخفضة للغاية”.
وقال غونتر، أستاذ الاقتصاد في جامعة ليهاي الأميركية: “يشهد كل عام بلوغ حوالي 900 ألف أو ما يصل إلى مليون عراقي سنًا أكبر بما يكفي لممارسة العمل”.
وأضاف غونتر أنه “في معظم زوايا الشوارع (ببغداد) [في] حوالي الساعة العاشرة صباحًا يقف مجموعات من الشبان لتبادل الأحاديث وتدخين السجائر”، مشيرًا إلى أن البلاد بحاجة إلى خلق حوالي 325 ألف فرصة عمل سنويًا، في الوقت الذي يواجه فيه العراق مشكلة أخرى تتمثل في سداد ديون تعود إلى عام 2006.
ومن المرجح أن تستمر الاضطرابات ما لم يتم معالجة هذه القضايا. يعد الانفجار السكاني إلى جانب ندرة فرص العمل المناسبة، خاصة للخريجين الجدد، من الأسباب الجذرية للاحتجاجات التي بدأت في أكتوبر من العام الماضي. أدت دعوة المحتجين المستمرة لعراق أكثر موثوقية وسيادة والحاجة إلى إحياء التصنيع المحلي في بلد خالٍ من الفساد، إلى مقتل مئات الشباب وإصابة ما لا يقل عن 15000 شخص.

تجديد لوائح العمل
وعلى الرغم من المشاكل الواضحة، لم يقترح السياسيون العراقيون خارطة طريق اقتصادية واضحة للبلاد.
وقال وزير المالية العراقي علي علاوي، في تصريح لوكالة أنباء “أسوشيتيد برس” في أوائل أكتوبر، إن هناك إرادة سياسية متنامية لإجراء إصلاحات جذرية مطلوبة بشكل خاص مع تأثر صناعة النفط العالمية بفيروس كورونا، ولكن لم تتخذ الحكومة إلا بعض الخطوات البسيطة لإصلاح بيئة العمل.
وحتى الآن، مازال العراق في طريقه إلى تجديد لوائح العمل الخاصة به من أجل الابتعاد عن الاشتراكية البيروقراطية الموروثة، والتي ترجع إلى حقبة حزب البعث من 1968 إلى 2003.
وأوضح غونتر أن “العراق في طريقه إلى إعادة كتابة لوائح العمل في البلاد، لكن تستغرق هذه العملية 10 سنوات، في حين أنه لابد من إنجازها في عام واحد فقط”.
وقال البروفيسور غونتر إن العراق يمكنه بسهولة نسخ لوائح دولة الإمارات للمضي قدمًا بدلاً من هذه العملية المطولة وسط حاجة ماسة لتحقيق المزيد من التنويع في مصادر الدخل.
وأضاف غونتر، الذي عمل ككبير مستشاري الاقتصاد المدني للفيلق متعدد الجنسيات في كامب فيكتوري بالعراق في الفترة من يوليو 2008 إلى يوليو 2009، إن “ما يحتاجون إليه [العراقيون] هو التنويع والتنويع السريع بعيدًا عن النفط”.
وأوضح غونتر أنه مع انقضاء أيام كان سعر النفط يصل خلالها إلى 100 دولار للبرميل، فإن قطاع النفط الخام الأسود نفسه “لا يوظف الكثير من القوى العاملة، إذ ربما لا تزيد عن نسبة حوالي 3%”.

الاشتراكية القديمة تقمع ريادة القطاع الخاص
ويخنق إرث النظام القانوني النابليوني في العراق الشباب العراقي ويعوق إطلاق العنان لقدراتهم التجارية. في حين أنه في بلدان مثل الولايات المتحدة، حيث يطبق القانون العام، تمنح اللوائح الحرية للقيام بأي أعمال أو مشروعات باستثناء ما “يحظره القانون”. على سبيل المثال، إن طرح تطبيق إلكتروني جديد يتطلب من رواد الأعمال معرفة ما إذا كانت هناك أي قوانين تعتبره محظورًا. ولكن مع قانون نابليون الاشتراكي، فإن القاعدة هي أن “كل الأنشطة ممنوعة باستثناء ما يسمح به القانون”.

التجربة العراقية
قال غونتر إن الأمر يعني أنه في العراق، على سبيل المثال، يظل مشروع ما لتطبيق إلكتروني مخالفا للقوانين حتى يتم التمكن من تمرير قانون ينص على إمكانية بيع هذا التطبيق، مضيفًا أن الأمر ربما يقتضي دفع رشاوى للحصول على موافقة مسؤول ما، وهو ما أدى إلى تفاقم مشكلة الفساد.
ويصف غونتر في مؤلفه كيف أن 40% من عائدات الشركات الصغيرة، والتي (يمكن ألا تشتمل على أرباح)، تذهب هباءً في شكل رشاوى. يمكن لأي شخص في بلدان أخرى أن يفتح نشاطًا تجاريًا جديدًا عبر الإنترنت في غضون ساعة تقريبًا، بمبلغ ضئيل من المال، وفي المقابل، إنه “للقيام بالمثل في العراق، سيستغرق الأمر أكثر من شهر، وسيتكلف آلاف الدولارات. وربما لا تصدر الموافقة على الإجراء بنهاية المطاف. على سبيل المثال، [إذا] كنت ترغب في إنشاء شركة، يجب عليك توكيل محام ومحاسب”.

الفشل في تنويع المصادر
ويعتقد سليم حمرا، مهاجر عراقي مقيم في تورنتو وخريج برنامج قيادة السياسة العامة العراقية IPPLP، ومقره الإمارات العربية المتحدة، وهي مبادرة يقودها العراقيون في الشتات على أمل تأهيل جيل من القيادات الشابة، أن هناك العديد من الأسباب وراء فشل العراق في تنويع مصادر الدخل.
قال حمرا: “لا يمكنني تحديد قضية محددة. لم يتطور القطاع الخاص في العراق منذ عقود. ولا تزال الشركات الخاصة، تُدار عائليًا في الغالب.”
وأضاف حمرا أن الحكومة سعت إلى تشجيع ودعم المشروعات التجارية الجديدة من خلال قانون الاستثمار، الذي وصفه بأنه “تم صياغته ليست جيدة جدًا ولكنها جيدة”.
وأضاف حمرا أن “المشكلة مع القانون هي كيفية تطبيقه عمليا ويبدو أن هذه هي المشكلة في أشياء كثيرة في العراق وكيف تمضي الأمور عند التطبيق والممارسة.”
ومن المُفترض أن يشجع هذا القانون المستثمرين من القطاع الخاص على إقامة المشروعات في العراق من خلال منح الأراضي للإيجار على سبيل المثال. ولكن يتصرف الأشخاص، القائمون على إدارة هذا البرنامج، وكأنه محاولة للحصول على عقود حكومية، حيث إنهم يقومون باستقبال المستثمرين ويجرون أحاديث تحكمها عقلية تفرض طرح سؤال “ما الذي لديك لتقدمه إلى العراق؟” بدلًا من أن عرض المزايا التي يمكن أن تقدمها الدولة من أجل دعم الاستثمارات.
إن هناك أيضا مشكلة حتى عند محاولة توفير المزيد من المرونة من خلال نظام ضريبي موجز. ويشرح الحمرا أنه “هناك قوانين ضريبية ولكن معظم الناس لا يستوفون الحد الأدنى من الدخل، لذلك لا يدفع أحد الضرائب. نحن (العراق) بحاجة إلى نظام ضريبي فعال لتنويع اقتصادنا بشكل مناسب”.

يقول علي رياض، مؤلف دواوين شعرية ومتظاهر ساعد عبر وسائط التواصل الإعلامي في توصيل صوت المتظاهرين إلى الخارج في العام الماضي، إنه من باب الإنصاف أن يتم الإشارة إلى أن الحكومة الحالية بدأت ببعض المبادرات لتحرير الاقتصاد العراقي من الفساد وهيمنة السلاح المنفلت، لكن المشهد حتى الآن لا يدعو للتفاؤل إطلاقاً.

الغضب والتشاؤم
في يوم الأحد الموافق الأول من نوفمبر الجاري، نظم محتجون مسيرة في العاصمة بغداد وعدة مدن جنوبية لتجديد مطالبهم بوضع حد للفساد في المؤسسة السياسية العراقية.
ويرى البروفيسور غونتر أن هناك أملا، خاصة عندما يتذكر لقاءه بشاب في حاضنة شركات التكنولوجيا الناشئة في بغداد، تخلى عن وظيفته الحكومية من أجل إطلاق مشروعه الخاص، والذي يعتبر أنه واحد من العديد من الشباب العراقيين، الذين يتوقون إلى إحداث تغيير للأوضاع في بلد متعثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى