مقالات

العنصرية تكشر عن أنيابها في فرنسا

 

أول الكلام:

لا أدري كم مرة زرت فرنسا، ولكن لا أنسى زيارتي الأولى لها، كان ذلك عام 1972، حيث كنا حديثي زواج، عبّرت عن شعورها بالدهشة قالت: كأنني بدوية في باريس! وكان شعوري مطابقاً تماماً.. وكانت باريس مدينة الأناقة في النهار تلمس ذلك في شوارعها الفسيحة وحدائقها الغناء وفي محلات الأزياء والأناقة والعطور في شارع الشانزاليزيه، وفي الليل هي مدينة الأضواء! بدا الناس لطفاء للغاية، وعندما نحاول الوصول الى مانريد ونحن في أنفاق المترو نبحث في الخارطة يتقدم منّا رجل مسن ويقول بفرنسية واضحة: هل لي أن أساعدكم سيدي سيدتي؟! فنشكره بحرارة.. وتكرر الحال أكثر مع طلاب الليسيه!

المهم اشترينا سيارة بيجو 404 وانطلقنا من باريس نحو مرسيليا وبربنيان لنعبر اسبانيا عبر برشلونة فلنسيا حتى غرناطة، فملاغا حيث الباخرة تدشن لأول مرة ركبناها وتحمل اسم “ابن بطوطة” الى طنجة ومنها بالسيارة الى الجزائر عن طريق البر، وكانت نقطة الحدود بين المغرب والجزائر تسمى “زوج بغال”!

لم نلمس عنصرية سوى التعصب للغة الفرنسية، وبعض الخشونه من حراس متحف اللوفر من أي زائرة أوجعها المسير بالحذاء فتنزعه لترتاح قليلا فتسمع أمراً خشنا بالحال بلبس الحذاء.. والخشونة الفرنسية تُذيل بكلمة: رجاء مسيو أو مدام!!

ذهبنا للغرب الفرنسي في بروتانييه وبورغونييه وكان ساحراً، صحبة الفرنسيين في القطار كانت ممتعة! وأفسر ذلك بقلة الأجانب المقيمين الذين أكثرهم من بلدان المغرب الكبير..وقلة السائحين نسبياً وربما أيضا أن فرنسا مازالت تتغنى بمجدها المؤثل في العدالة والأخوة والمساواة وهي مبادىء الثورة الفرنسية، والأدب الفرنسي الإنساني مازال يحتفظ ببريقه، والفلسفه لا سيما الوجودية مازالت تحتفظ بمائها وعمالقتها مازالوا أحياء يرزقون، وأن اليسار الفرنسي مازال ريّانا وطعم ربيع باريس عام68 مازال لاذعا وعبقا!

***

وبقيت كلما أزور باريس أرى هناك تغييرات وخاصة بعد اندحار الشيوعية الرسمية في قلعتها أوربا الشرقية.. ولمست زيادة كبيرة للظواهرالإسلامية في باريس من مساجد يؤمها المسلمون بملابسهم المميزة وكثرة المتحجبات والمتنقبات..وبروز ظاهرة الإسلام السياسي المتطرف، وارتقاء اليمين الى سدة الحكم مرات .. وضعف اليسار الفرنسي، وتصاعد اليمين العنصري وزعيمه جان ماري لوبان، وانحياز الاعلام بشكل كبير لتشويه سلبيلت المسلمين وتضخيمها، خاصة جرائم الشباب ذوي الخلفيات العربية الإسلامية…ثم بروز ظاهرة الإرهاب المتلفع بالإسلام!! وكل هذه الظواهر والمظاهر برزت في كل بلدان أوربا مع موجات المهاجرين ولكن كانت فرنسا وإعلامها اليميني والليبرالي الذي يبث العداوة والحقد قد جعل أحزاب اليمين واليمين العنصري الحاقد تقفز قفزات مخيفة في الانتخابات الفرنسية!

كان التطرف الإسلامي في كل محطاته إن لم يكن صناعة غربية استعمارية فهو مدعوم منها بالمال والسلاح..وسأذكر على سبيل المثال: تمويل بريطانيا للحركة السلفية الإرهابية الوهابية، ودعمها للإخوان المسلمين وتمويلها لهم في مصر منذ نشأتهم عام 1928، تأسيس وتبني فرنسا الاستعمارية وتمويلها بالمال والسلاح للإرهابيين الحركيين والفلاكَة الجزائرين عملائها لتنفيذ جرائم إرهابية ضد الثوّار وعوائلهم.. أما الحديث عن الاستعمار الهولندي والبلجيكي والبرتغالي والألماني في أفريقا دون الصحراء (افريقيا السوداء) وتكوين طوابير خامسة من البلدان المستعمَرة ضد القوى الثورية والرافضة للاستعمار فأمر يطول الحديث عنه..

أما أمريكا فهي التي سلّحت ودربت العرب الأفغان وبتمويل خليجي ثم ليرجعوا ويرتكبوا جرائمهم في بلدانهم العربية والأوربية حيث يقيمون وهكذا انقلب السحر على الساحر.. وهذا السيناريو يتكرر في تأسيس الولايات المتحدة للقاعدة وداعش وتمويلها كل ما تحتاج وقضية رمي التمويل بالطائرات الأمريكية للدواعش أمر معروف في الوقت الذي تزعم بأنها تحارب الإرهاب..

وكان قبول اللاجئين الإرهابيين في كل من بريطانيا وفرنسا وغيرها من البلدان الأوربية أمر يبعث على التساؤل؟ لكن جوابه سيكون عمليا بعودة هؤلاء اللاجئين وأولادهم وحتى بناتهم كمجندين في صفوف القاعدة والدواعش ليصبحوا مقاتلين وانتحاريين ذهب ضحية لأعما لهم الإجرامية الألوف من الناس الأبرياء في العراق وسوريا..

تتوالى تطور الأحداث الإرهابية الأخيرة في فرنسا، وهي محصلة للرسوم البذيئة المسيئة للرسول الأكرم منذ خمسة عشر عاماً حيث الهجوم الدامي على المجلة الساخرة محدودة الشهرة شارلي ايبدو.. واستمر استفزاز الصحيفة بعناد وإصرار وكان مقتل المدرس سمويل باتي بأسلوب بشع من قبل شاب شيشاني إثر عرض المدرس للرسوم المسيئة للطلاب في مادة الحريات الديمقراطية أشعل رد فعل شكل نقلة كبيرة جعلت الرئيس الفرنسي يتبني الرسوم المسيئة للرسول ويعمل على طبعها ونشرها في جدران باريس وجعلته بشكل رسمي يربط الارهاب بالإسلام..ولا بدّ من وقفة:

أن يكون الأرهاب السياسي الإسلامي وغير الإسلامي مُداناً بقوة أمر مفروغ منه وهو يسيء للإسلام ويضره ضرراً كبيراً ويذكي روح الاسلاموفوبيا المتنامية بتناميه..ولا شك أن الإساءة الى الأديان من قبل الصحافة والتعبير عنه بالرسوم الكاريكاتيرية وحرق القرآن ممارسات مستفزة تسيء لأصحابها أكثر مما تسيء للإسلام..وهذا الأمر اعتاد عليه المواطن الأوربي ولا يعير له أهمية، فلو ترك من قبل المسلمين وأهمل كان الأمر أجدى وأسلم..أذكر حادثة حصلت أن مجلة أساءت للسيد المسيح بالنص وبالرسم فاحتج مسيحيو الشرق الأوسط المقيمين في السويد وحصلت مصادمات ثم تلاشت واعتاد الجميع على الأمر..

ومن المعروف أن التعليم في أوربا لايتبني أي ديانة وإنما يدرس الأديان والمعتقدات المختلفة في موضوع علم الأديان واللاهوت (ثيولوجي)..وهنا أجد أن المدرس الفرنسي الضحية سمويل باتي قد أخطأ حين عرض الرسوم المسيئة للرسول ولم يشفع له أي سبب، إذا كان يستطيع ضرب المثل وشرحة بموضوعية دون عرض رسوم!

إن تبني الرئيس ماكرون لموضوع هذه الرسوم وتعميمها على طلبة المدارس من أدنى مستوياتها رياض الأطفال الى أعلاها وربطها بالإسلام أمر يدل عن عنصرية كامنه فيه وفي قطاع واسع من المجتمع الفرنسي وهى نزعة شعبوية وتملق لليمين العنصري ومحاولة كسب الشعب خاصة مع علمه بتدني شعبيته، فوجد في هذا الموضوع موجة تستحق الركوب! فأردف بغلق المدارس الإسلامية والعربية الخاصة وتسريح معلميها وأوقف كثيراً من نشاطات الجمعيات المدنية الثقافية والدينية..ومراقبة النشطاء السياسيين ذوي الأصول العربية والاسلامية!

ولا بد من التذكير بشيء قد أثار المجتمع الفرنسي حيث سبق الأحداث تحرير الفرنسية الرهينة في مالي لمدة أربع سنوات سوفي بترونين التي أعلنت حال وصولها أرض المطار الفرنسي وبحضور الرئيس ماكرون عن إسلامها عن قناعة راسخة وتحويل اسمها الى مريم وامتداحها لقيم الإسلام ما جعل ماكرون يغادر المطار مغضبا..لقد أثر هذا الحدث في الوسط الإعلامي والشعبي الفرنسيين وأشعل روح الضغينة والحسد ووجه لطمة للإسلاموفوبيا التي وجدت بعد أسبوعين في مقتل المدرس فرصة لتنفس عن حقدها وعنصريتها!!

ومن الملفت أن الإساءة لمليار ونصف مسلم لم تحرك رد فعل يتناسب مع الحدث لدى الحكام العرب ولا المؤسسات الدينية وكان رد فعل الأزهر هادئا باهتا يتماشى مع الموقف الرسمي الحكومي..

والملفت أيضاً أن الرئيس التركي أردوغان كان متسيد السخط على ماكرون ووصفه بالمعتوه ، وطالب المسلمين بمقاطعة البضائع الفرنسية، دون أن تقاطع حكومته ولا أي دولة عربية!! وهكذا وجدها اردوغان فرصة لينصب نفسه خليفة للمسلمين!!

أما رئيسنا برهم صالح ورئيس وزرائنا الكاظمي فقد آثرا العافية ولسان حالهم يقول: اللي بينا مكفينا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى