أخبارمقالات

هل الحرب الأهلية ممكنة في الولايات المتحدة ؟!!

قناة الإباء/ بغداد

كتب / فائز السعدون

الحرب الأهلية وفق قاموس أوكسفورد السياسي هي صراع بين متقاتلين من سكان دولة ما ، وتدور رحاها على اقليم الدولة ، وموضوع الصراع هو الحق السياسي في الهيمنة على الاقليم ، وتكون قوات الحكومة عادة طرفاً في الصراع . ان الحروب الأهلية ليست نادرة الوقوع في العصر الحديث حيث سجل وقوع اكثر من ١٢٠ حرباً أهلية منذ الحرب العالمية الثانية ، ويذهب احد علماء السياسة الى حد اعتبار ان كافة المجتمعات الانسانية تعيش حروباً أهلية وان الانتخابات هي حروب أهلية بوسائل سلمية .

الحروب الأهلية لاتنشب عادة بقرار من اطرافها او احدهم ، بل هي حصيلة مرجحة الوقوع عندما تتوافر مجموعة من العوامل الموضوعية ، ويصنف بعض علماء السياسة عواملها ؛ ان اهم تلك العوامل هي :

١- توفر ادوات الحرب وخاصة الموارد المالية والسلاح ، وتزايد احتمالات فقدان الدولة لاحتكار العنف المسلح .

٢- غالباً ماتنشب الحرب اذا توفر عدد كاف من الأفراد ممن سقطت في نفوسهم قدسية الحياة الانسانية وفِي اغلب الاحيان تكون هذه حالة المجتمعات بعد انغماسها في حرب .

٣- انقسام واستقطاب اجتماعي – سياسي حاد مع تزايد في حجم الهوة بين طبقات المجتمع من حيث الثروة والموارد ، ودور النخب في ذلك .

٤- دور العنف في تكوين الشخصية الاجتماعية العامة ( التنميط ) ودوره في الادراك العام كوسيلة لتسوية الخلافات .

٥- قدحة الإشعال .

لنتفحص مالّذي يحصل في الولايات المتحدة في كل من هذه القضايا :

١- عند مراجعة الأرقام الخاصة بعدد قطع السلاح التي يحوزها المدنيون الامريكيون فان الانسان يصاب بالرعب ، لان تلك الأرقام تقول ان الأمة الامريكية تجلس على جبال من السلاح الذي يقع خارج سيطرة اي مؤسسة رسمية ، وبموجب حق دستوري وفق نص التعديل الثاني للدستور الامريكي .

يمثل الامريكيون حوالى ٤٪‏ من سكان العالم لكنهم يحوزون حوالى نصف عدد قطعة السلاحالتبحوزةالمدنيين في كافة أنحاء العالم ، ويبلغ اجمالي عدد مايحوزه الامريكيون حوالى ٤٣٠ مليون قطعة سلاح وفق دراسة لمركز ” مسح الاسلحة الصغيرة ” السويسري والذي يعرف اختصاراً SAS . وكي نتعمق في رؤية ماتعنيه هذه الأرقام فلنا ان نتصور مثلاً انها تساوي ٤,٥ – ٥ اضعاف ماتحوزه جيوش العالم مجتمعة من تلك الاسلحة بما فيها الجيش الامريكي . تشير الأرقام ايضاً الى شيوع ظاهرة التسوية المسلحة للخلافات الشخصية والتافهة احياناً في المجتمع الامريكي فضلا عن تكرار عمليات القتل الجماعي في المدارس الامريكية بما فيها في المدارس الابتدائية ، ويعود ذلك في جانب كبير منه الى ان السلاح يمثل جزءاً من حياة الناس هنالك ، فنعرف مثلاً ان حوالى نصف الامريكيين قد نشأوا في بيوت فيها أسلحة ، وان اكثر من ٧٠٪‏ منهم قد استخدم سلاحاً في مرحلة ما من حياته .

٢- من اهم النتائج التي تخلفها الحروب في نفوس المقاتلين هو سحق مفهوم قدسية الحياة الانسانية بشكل عام ، وانخفاض قيمة الحياة الذاتية لدى الجندي الذي يشارك في معارك فعلية او يكون قريباً منها بشكل من الاشكال ، وهذا يفسر الى حد ما ارتفاع معدلات الانتحار لدى الجنود العائدين من الحرب ووفقاً لبعض المصادر فان عدد الجنود الامريكيين المنتحرين خلال العقدين الماضيين من الذين شاركوا في حروب أفغانستان والعراق يفوق خسائر القوات الامريكية في المعارك .

يتم تدريب الجنود ، من بين امور اخرى ، على كيفية قتل جنود الخصم ، ورغم ان ذلك يتم تبريره عادة باعتبارات اخلاقية ، مثل الدفاع عن قضية او الدفاع عن الوطن كسبب للقتل ، فانه تمت ملاحظة ان الجنود الذين ينخرطون في حروب حقيقية يكونون بعد انهاء خدمتهم اكثر ميلاً للعنف من نظرائهم ممن لم يخوضوا تلك التجربة .

لقد انغمست الولايات المتحدة في سلسلة من الحروب المتواصلة التي زجت في بعضها ملايين من الجنود ، وبعضها كانت حروباً تتسم بقدر كبير من الشراسة ومخالفة قوانين الحرب مثل حرب فيتنام ومعارك الفلوجة في العراق والمعارك ضد طالبان في أفغانستان ، وهي حروب استغرق بعضها عقوداً ووصل تأثيرها النفسي الى داخل المجتمع الامريكي ، ولم تخل لغة الخطاب السياسي والاجتماعي والاعلامي من تمجيد لاعمال الجنود على بشاعتها بحيث تكرست في نفوس اجيال متتالية من الامريكان قيم تمجيد القتل كوسيلة لتحقيق الاهداف ، وزالت من نفوسهم قضية قدسية الحياة .

٣- وفقاً لدراسة نشرها الپروفيسور توماس كاروثرز رئيس مركز الدراسات في وقفية كارنيجي للسلام نشرها في مجلة ” فورين افيرز ” الامريكية / ايلول ٢٠١٩ / حول قضية الانقسام المجتمعي والاستقطاب في المجتمع الامريكي لاحظ ماياتي :

ان الاستقطاب والانقسام السياسي والمجتمعي الحاد في الولايات المتحدة قد اصبح ظاهرة تسود مختلف المؤسسات الرسمية ، وان هذه الظاهرة باتت تشكل تهديداً جدياً لمستقبل النظام الديمقراطي .

تلاحظ الدراسة ايضاً ان ظاهرة الاستقطاب في اغلب مجتمعات العالم تبدأ بالنخب ، ثم تتدحرج نحو الأسفل ، لكن العكس قد حصل في الولايات المتحدة . طغت منذ السبعينات في القرن الماضي قضايا خلافية جوهرية في النقاش المجتمعي القاعدي ، مثل قضية المساواة في الحقوق المدنية وحقوق النساء وثورة الجنس والموقف من حرب ڤييتنام ، وفِي جميع هذه المحالات بدات محاولات لتفكيك أنظمة وقيم راسخة في المجتمع الامريكي ، وتبلورت في نهاية المطاف تحت عنوانين : المحافظة والتقدمية .

تدعو النظرة التقدمية الى اجراء تغييرات اجتماعية – سياسية ، مقابل الرؤية المحافظة التي ذهبت باتجاه مضاد تماماً . لقد تلقفت النخب هذه الانقسامات وعملت على تكريسها واستثمارها في الصراع السياسي الحزبي ، وقد اصبحت المواقف من هذه القضايا هي المحركات الاساسية في العمل العام . لقد تبنى الجمهوريون وقواعدهم من الناشطين الاجتماعيين والأنجليكانيين وقطاع واسع من المثقفين منظومة القيم الاجتماعية والسياسية التي تكرست في الماضي مقابل الحزب الديمقراطي الذي تبنت قواعده رؤيا مخالفة تدعو للتغيير ، وقد اصبحت الرؤيتان هي المادة الاساسية في البرامج الحزبية الى الحد الذي اصبحت فيه النخب القائدة اسيرة رؤية القواعد ، بل وعملت على تعميقها من اجل تعزيز تماسك تلك القواعد .

في عهد ادارة ترامپ طرأ امر جديد . هذا الرئيس هو الاول في تاريخ البلاد الذي اعتبر هذا الانقسام والاستقطاب مادة خطابه وجوهر ستراتيجيته السياسية ، ودفع باتجاه روح التحزب بشكل مقصود حول قضايا الخلاف ، وهو امر غير معهود في ممارسات رؤساء الدول الاخرى الذين يعملون عادة على رأب التصدعات الاجتماعية .

مايزيد الامر سوءاً في الحالة الامريكية هو ان موضوعات الانقسام في مختلف دول العالم تدور حول احد قضايا ثلاث : العرق ، الدين ، الأيديولوجيا ، ولكن في الولايات المتحدة تجتمع هذه القضايا مرة واحدة لتحدث انقساماً واستقطاباً غير مسبوق ، وما يعزز هذا الانقسام هي طبيعة النظام الحزبي في البلاد ، وهيمنة حزبين فقط على الحياة السياسية دون اي فرصة لظهور تيارات وسطية .

في البلدان الديمقراطية هنالك مؤسستان تعملان بصيغة كوابح ومخفضات لدرجة الاستقطاب ، وهما القضاء والنظام الانتخابي . في الولايات المتحدة اصبحت المؤسستان فريسة للاستقطاب ، فبدلاً من اختيار القضاة وفق مبدأ التوافق Consensus كما هو الحال في الديمقراطيات الاخرى ، فان اختيار كبار القضاة في المحكمة العليا او الولايات يتم على اسس حزبية وبموجب نظام التصويت والاغلبيات السياسية ، وتجري ادارة الانتخابات في مختلف مستوياتها من قبل هيئات منتخبة على اسس حزبية ، حتى اصبحت قضية طريقة اجراء الانتخابات موضوعاً خلافياً على اسس حزبية يتجدد في كل انتخابات رغم العمر الطويل للنظام الانتخابي في البلاد .

ان كل يوم يمر الان في الولايات المتحدة يزيد من ظاهرة الاستقطاب ولاتبدو خيارات مغادرة هذه الحالة واضحة في ألافق .

٤- من الخصال المتأصلة في الشخصية الامريكية على المستوى العام هو العجز عن فهم جدوى الحوار ان لم يكن مقترناً بأنواع من السطوة والنفوذ Leverage مقابل الطرف الاخر ، ولذلك تشيع في الحياة العامة ظواهر الابتزاز والتهديد كوسائل للتأثير في قرارات وسلوك الخصوم . في الادراك العام الامريكي Common sense لايوجد فرق كبير بين الاقناع والإرغام ،

يفترض بالنظام الديمقراطي ان يوفر متنفساً سلميا مقنناً كوسيلة راسخة ووحيدة لتسوية الخلافات السياسية ، لكن التاريخ الامريكي القريب يؤكد وجود تراجع في هذا الميدان ، ولم تعد ظواهر العنف الجماعي على خلفيات سياسية معلنة او مبطنة امراً نادراً ، وفِي الفترة الاخيرة خلال عهد ترامپ نلاحظ ظهور بوادر عنف سياسي منظم ومسلحةفي بعض الاحيان بدأت على مستوى الخطاب السياسي حين كررت منظمات قومية متشددة تهديداتها بالنزول الى الشوارع لإحباط تظاهرات الامريكان الافارقة التي انطلقت على خلفية سوء وقسوة تعامل اجهزة الشرطة مع ابنائهم وصلت حد تكرار القتل ، ولم تخل تلك التهديدات من التلويح باستخدام السلاح .

٥- ان الانقسام والاستقطاب الاجتماعي والسياسي لايقود بحد ذاته الى النزاعات المسلحة حتى مع توافر كل عناصرها كما بيناه أعلاه ، وتستطيع دولة قوية ذات اجهزة امنية كفوءة ومتماسكة من احتواء الاحداث والسيطرة عليها ، لكن حين يسود الانقسام في المؤسسة الامنية تصبح الحال اقرب للخطر ، وماتنتظره لكي تتأجج وتصبح حرباً أهلية الى قدحة اشتعال . قد تكون في صيغة حدث بسيط على خلفية احد موضوعات الانقسام وتتطور جراء سوء ادارة الأزمة التي قد تنشب عنها ، خاصة اذا ماتخذت السلطات موقفاً منحازا لاحد اطراف الأزمة ، ويزيد من حدة الاشتعال التدخلات الخارجية التي اصبحت اليوم متاحة اكثر من اي وقت مضى بفعل الفضاء السِبراني المفتوح ، وحين يصبح مؤكداً ان لاعبين خارجيين قد أفلحوا في التدخل في مجرى الحياة السياسية للبلاد خلال السنوات القليلة الماضية !!

قد لاتبدو الحال على هذا القدر من السوء في الولايات المتحدة حالياً ، ولكن جميع الحروب الأهلية كانت تبدو للمراقبين بعيدة الوقوع قبل ايام قليلة من نشوبها ،، والله اعلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى