مقالات

من رأى منكم منكراً

كثيرأ ما نردد هذا الحديث لكن البعض يظلمه في الفهم والتطبيق
من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان . فعناصر هذا الحديث هي أولاً الفعل الخاطيء والمشين ، وثانياً ادوات التغيير وهي اليد واللسان والقلب وهي أعضاء بشرية تنفذ الفعل الخاطيء بأمر من الانسان المخطيء ، ومن جهة أخرى هي أدوات للتغيير يوظفها اصحابها لمواجهة ذلك الفعل، فهل يعقل أن تكون أدوات الفعل الخاطيء وادوات التغيير تجتمعان في نفس بشرية واحدة؟، ربما حينما يقدم أحدنا على القيام بفعل خاطيء ثم يقوم بتصحيحة بدافع الندم أو صحوة ضمير .. لكن هذا الافتراض لا ينطبق على جميع البشر . إذن سيكون لدينا نوعان من البشر، النوع الاول وهم الذين يسعون الى القيام بالفعل الخاطيء ويدافعون عنه ويتسترون عليه وهناك نوع ثانً، وهم من يستنكر هذا الفعل الخاطيء ويحاول كشفه وفضحة ومحاربته والقضاء عليه ، والسؤال هنا هل محاربة الفعل الخاطيء هي من صلاحية جميع البشر عن طريق استخدام أدوات التغيير؟ … لنتوقف هنا لنقول لو كان التصدي للمنكر من صلاحية كل البشر لعمت الفوضى وتداخلت الوظائف وضاعت المسؤوليات وبذلك لن يحقق الحديث النبوي الشريف مبتغاه وسيأتي بنتائج عكسية وهو الذي لا ينطق عن الهوى وانما هو وحي يوحي . نعم فجميعنا يسمع ويرى الفعل الخاطيء سواء كشاهد عيان أو عبر وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لذا إنطوى هذا الحديث الشريف على أساليب مهمة تتعلق بطريقة تنفيذه وهي توزيع المسؤوليات ووضع حدود للصلاحيات ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ) هنا اعطى صلاحيات تنفيذية للسلطة والجهات ذات العلاقة في مواجهة الفعل الخاطيء … فلو شاهد أحدنا مخالفة مرورية .. نعم فإنه سيستنكرها في قلبه لكن ليس من واجبه وصلاحياته تحرير مخالفة لمن خالف قانون المرور وإنما هي منوطة برجل المرور . ( فإن لم يستطع فبلسانه ) وهنا يضيف الحديث صلاحيات لجماعات ومؤسسات اخرى تتحمل مسؤولية كشف وفضح الفعل الخاطيء وهم رجال الدين عن طريق خطبهم على المنابر، ورجال الاعلام عبر وسائلهم الاعلامية وجماعات الضغط وقادة الرأي والكتّاب والشعراء ومنظمات المجتمع المدني عبر قنواتهم الاتصالية المتعددة والتي تشكل رادار مراقبة مضاف للسلطة التنفيذية وورقة ضغط على السلطة التنفيذية في رد الفعل السريع في مواجهة اصحاب الفعل السيء، وهؤلاء تحولوا الى قوة مضافة وداعمة ومساعدة للسلطة التنفيذية في محاربة الفعل السيء . ( فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) وهنا يأتي دور الانسان العادي في منظومة المجتمع الذي يستنكر ويرفض الفعل السيء بقلبه، ولا ينطوي ذلك على الرفض والشجب والاستنكار فقط وانما عدم القيام بمثل هذا الفعل أو غيره من الافعال الخاطئة والمشينة ، ولعمري إني اراها هي الاساس والبنية التحتية لبناء مجتمع فاضل متماسك ، لاسيما حينما نقتلع كل فعل مشين من ذواتنا وانفسنا أولاً ، وبالتالي ننقله كممارسات إيجابية على ارض الواقع، وبالتالي سيقل الضغط على الجهات التنفيذية الاخرى ، و بدلاً من أن نبني سجوناً إضافية ، فإننا سنشيد مدارس ومراكز لرعاية الطفولة والشباب والمسنين وكل ما من شأنه أن يسمو بالمجتمع ويطوره، فالاصلاح يبدأ من الذات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى