مقالات

ولنا في الخيال حياة

(١) كان هناك عجوز وحيد، يقضي معظم أوقاته في السرير حتى أشيع عنه أنه يخفي كنزًا في بيته.

وفي يوم من الأيام، اقتحم جماعة من اللصوص ذلك البيت، وبحثوا في كل أرجائه فوجدوا صندوقًا في القبو، حملوه معهم. وحينما فتحوه وجدوه ممتلئًا بالرسائل، كانت عبارة عن رسائل حبٍّ استقبلها العجوز في مختلف مراحل حياته الطويلة، هم اللصوص بإحراق هذه الرسائل، ولكنهم تشاوروا في أمرها، وأخيرًا قرروا إعادتها، واحدة تلو الأخرى، بوتيرة رسالة في الأسبوع، منذ ذلك الحين وفي ظهيرة كل يوم إثنين، يلبث العجوز بانتظار  قدوم ساعي البريد، حالما يراه يجري نحوه بينما يمسك ساعي البريد بيده الرسالة التي يعرف كل شيء عنها، حتى أن القديس بيتر كان بإمكانه سماع ضربات ذلك القلب المجنون فرحًا باستلام رسالة من امرأة قرأها مئات المرات في السابق.”

ولنا في الخيال حياة.

إدواردو غاليانو (كتاب المعانقات)

(٢)

ذات مرة رافقني صديقي الروائي الأوروجواني الراحل -كارلوس مارتينيز مورينيو- في سفري بالطائرة، وقضى الرحلة كلها ممسكًا بنسخة بالية ورثة -لكثرة الاستعمال- من رواية (مدام بوفاري)، لكنه لم يقرأها، بل ظل يتصفحها باستمرار، ثم تبين أنها التميمة التي ضمنت له رحلة سليمة وأمنة، قال لي إنه حمل هذا الكتاب في أول رحلة له على طائرة، ثم اتخذه لاحقًا رفيقًا في الرحلات الأخرى جميعها، لأن الحدس والخيال والجنون أخبروه بأن هذا الطلسم الروائي -بمعزل عن دوران المحركات السلس ومهارة الطيارين- هو ما يبقى الطائرات التي يستقلها في السفر سالمة، ويحفظها من أي مكروه أو حادث.

وبنا في الخيال حياة.

ماريو بارجاس يوسا (كيف تغلبت على خوفي من الطيران)

(٣)

حين كتبت “كرة القدم في الشمس والظل” أردت أن يفقد محبو القراءة خوفهم من كرة القدم، وأن يفقد محبو كرة القدم خوفهم من الكتب، لم يخطر ببالي البتة شيء غير هذا، لكن عضواً سابقاً في الكونجرس المكسيكي “فيكتور كوينتانا”، قال لي إن الكتاب أنقذ حياته، وقصة ذلك أنه في منتصف عام ١٩٩٧، تم اختطافه من قبل قتلة مأجورين، استؤجروا لمعاقبته على كشفه بعض الأعمال القذرة، فكان أن طرحوه أرضًا وأوثقوا رباطه، وراحوا يرملونه حتى شارف على الموت، وقبل أن يجهزوا عليه برصاصة، بدأوا النقاش حول كرة القدم، ورغم أن فيكتور كان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، إلا أنه أدلى بدلوه في النقاش، وانبرى يروي لهم قصصًا من كتابي، ومع كل حكاية من تلك الصفحات، كانت ثمة دقائق تضاف إلى حياته، مر الوقت والقصص تجيء وتمضي. وفي الأخير تركه القتلة، مضروبًا ومحطمًا، لكنه حي.

ولنا في الخيال حياة.

إدواردو غاليانو ( حياة الكتابة).

(4)

ليست قصة أخرى اقتبسها وأرويها، بل هي إيماني الشخصي بأنه لولا أن في الخيال حياة، لما استطعت أنا شخصيًا أن أكمل حياتي ليومي هذا، فقد كانت الخيارات المطروحة أمامي:

– الانتحار.

– إدمان المهدئات.

– أن أمارس الخيانة كانتقام.

ولكن خيالي بنى جدارًا عازلاً بين عالمي الخارجي وبيني أنا ودواخلي، وعمل على نسج صور وخيالات ملونة بألوان راحتي، مطرزة بخيوط سعادتي.. بعيدًا عن كل السواد في الخارج.. إلى أن شاء القدر أن ينتهي العالم في الخارج وأخرج أنا وخيالي في سلام.

وحتى بعد خروجي، ما زالت أفضل ساعات يومي هي التي أجلس فيها مع خيالي، أحاوره بصمت، ارسم معه بصمت.. اتكئ عليه بصمت.

ولنا في الخيال حياة.

هند

آخر الكلام:

الخيال ينبغي أن لا يستخدم للهرب من الواقع، و إنما لصنعه.”

كولن ويلسون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى