تقارير

الأمن الغذائي.. بين الكوارث الطبيعية والهدر البشري

الإباء / متابعة ….

تعد مشكلة الأمن الغذائي واحدة من أهم واخطر المشكلات العالمية، وذلك لارتباطها المباشر بحياة الكثير من البشر، حيث يرى العديد من الخبراء ان هذه المشكلة في تفاقم مستمر ولأسباب مختلفة منها تزايد عدد السكان، واتساع دائرة الفقر وارتفاع أسعار الغذاء العالمية، والعوامل والمشكلات البيئية والمناخية متمثلة بالاحتباس الحراري وقلة الأمطار والتصحر، هذا بالإضافة الى المشكلات الاقتصادية والسياسة والأمنية التي يشهدها العالم.

والأمن الغذائي وكما تشير المصادر، مصطلح يقصد منه مدى قدرة بلد على تلبية احتياجاته من الغذاء الأساسي تحت أي ظرف ومهما كان. ويحدث أن يصبح الأمن الغذائي غير مكفول وعلى الأخص في البلاد الفقيرة المعتمدة على الأمطار في إنتاج محاصيل غذائها وغذاء الماشية لديها عندما يقل المطر ويعم الجفاف، فلا تستطيع تغذية سكانها وتكون عاجزة عن الاستيراد بسبب الفقر. وتظهر معطيات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) حده المشكلة الغذائية وحجمها، حيث تشير هذه المعطيات إلى أن عشرات الملايين في العالم مهدّدون بالموت، بسبب الجوع والأمراض الناجمة عن سوء التغذية. فمئات الملايين يعانون الجوع، في حين أن أكثر من مليار ونصف مليار إنسان يتحمّلون مختلف أشكال سوء التغذية، بما في ذلك ما يسمى سوء التغذية “غير المرئي”، أو “الجوع الخفي”. أي عندما تؤمّن وجبات التغذية التقليدية الكمية الكافية من السعرات الحرارية، ولكنها لا تتضمّن الحد الأدنى الضروري من البروتيين والدهنيات، ذات المصدر الحيواني خصوصًا، وكذلك العناصر الدقيقة.

وأفاد تقرير من الأمم المتحدة أن المزارعين في الدول النامية يتحملون “العبء الأكبر” من الخسائر في حالة وقوع كوارث طبيعية، حيث مازالوا يحصلون على نسبة ضئيلة من مساعدات الإغاثة في أعقاب حدوث تلك الكوارث. وقالت تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (فاو) إن القطاع يتحمل تقريبا ربع تكاليف الخسائر الناجمة عن حدوث الكوارث الطبيعية. وقالت تقديرات المنظمة عن الفترة بين 2003 و2013، إن الكوارث الطبيعية والمخاطر في الدول النامية تؤثر على ما يزيد على 1.9 مليار شخص، كما تتجاوز تكلفة الخسائر نحو 494 مليار دولار. بيد أن الأثر الفعلي على قطاع الزراعة مازال غير مسجل “وبالتالي غير معلوم”. ولاحظت تقديرات المنظمة أن هناك “فجوة معلوماتية كبيرة جدا من حيث الأثر الاقتصادي الكمي للكوارث على الزراعة وسبل العيش وكذا الأمن الغذائي للمتضررين من السكان”.

الاحتباس الحراري

وفي هذا الشأن سيهدد تسارع الاحتباس الحراري الإنتاج الزراعي العالمي خلال العقود المقبلة، على ما حذر علماء اعتبر البعض منهم انه لا بد من إجراء تغيرات جذرية في المجتمع لمواجهة هذا التهديد. وقال جيري هاتفيلد مدير المختبرات الوطنية الأميركية للزراعة والبيئة “من الممكن توفير القوت للعالم برمته بحلول العام 2050، لكن لا بد أولا من التخفيف من تداعيات التغير المناخي على الإنتاج الزراعي”.

وشرح خلال مداخلة له في المؤتمر السنوي للجمعية الأميركية لتقدم العلوم (إيه إيه إيه اس) في سان خوسيه (كاليفورنيا) أنه ينبغي مضاعفة الإنتاج الغذائي في السنوات الخمس والثلاثين المقبلة لتأمين الغذاء لتسعة مليارات شخص في العام 2050، في مقابل سبعة مليارات اليوم. وتوازي هذه الزيادة إجمالي المواد الغذائية التي أنتجت عالميا منذ خمسة قرون. بحسب فرانس برس.

وأضاف المدير أن “التقلب الشديد في التساقطات في الأراضي الزراعية الكبيرة في الولايات المتحدة مثلا وتفاقم الجفاف وارتفاع الحرارة كلها عوامل تؤثر على المحاصيل الزراعية، ما يتطلب تدابير للحد من الاحترار”. وأشار جيري هاتفيلد إلى أنه من المتوقع أن تستمر الأراضي في التدهور من كثرة استغلالها. وأقر كينيث كونكل عالم المناخ في الإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي (ان أو إيه إيه) بأن “احتمال استمرار الحرارة في الارتفاع … وتفاقم موجات الجفاف وازدياد التساقطات كبير جدا”. واضاف أن “الجفاف هو أكبر تهديد يحدق بالأمن الغذائي، أقله في وسط غرب الولايات المتحدة” الذي يعد مخزن الحبوب في البلاد.

ومن المرجح أن تشهد السهول الأميركية الكبيرة موجات جفاف في القرن الحادي والعشرين أسوأ بكثير من سابقاتها، بحسب ما توقع علماء آخرون وتستند تحليلاتهم إلى 17 نموذج محاكاة معلوماتي عن تغير المناخ. وقال عالم المناخ إن “التغير المناخي يحصل بسرعة جد كبيرة بحيث نواجه وضعا لا مثيل له في تاريخ البشرية ولا خبرة سابقة لنا في التعامل معه”.

وأضاف “إذا تمكنا من التخفيف من الاحترار من خلال التخفيض من الانبعاثات، سيتسنى لنا مزيد من الوقت للبحث عن حلول”، مستبعدا حدوث أمر مماثل في ظل عدم توافق المجتمع الدولي على التدابير الواجب اتخاذها لمكافحة التغير المناخي. ولفت جيمس غيبر الخبير الزراعي في جامعة مينيسوتا إلى أن وقف الهدر الغذائي الشديد مع التخفيف من استهلاك اللحوم الحمراء من شأنه أن يساعد على مواجهة أزمة الإنتاج الزراعي.

وشدد جيري هاتفيلد على ضرورة زيادة المحاصيل الزراعية من خلال تغيير سبل إدارة البيئة واللجوء إلى التقنيات الجينية. أما بول إرليش مدير مركز “سنتر فور كونسيرفايش بايولوجي” في جامعة ستانفورد، فأكد “نواجه مشكلة هائلة تتطلب تغيرات اجتماعية وثقافية جذرية في الكوكب برمته وليس لدينا الكثير من الوقت”. وختم قائلا “إذا كان أمامنا ألف عام لحل هذه المشكلة، كنت سأحافظ على هدوئي، لكن ليس أمامنا سوى 10 أعوام أو 20 عاما”.

الغابات المدارية

الى جانب ذلك أفادت دراسة بان إزالة الغابات في المنطقة المدارية بنصف الكرة الجنوبي تسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتهدد انتاج الغذاء في العالم عن طريق الاخلال بأنماط تساقط الامطار في أرجاء اوروبا والصين والغرب الاوسط الامريكي. وقالت الدراسة التي اوردتها دورية (تغير مناخ الطبيعة) إنه بحلول عام 2050 قد تؤدي عمليات إزالة الغابات الى تراجع سقوط الأمطار بالمناطق المدارية بنسبة 15 في المئة بما في ذلك مناطق الامازون بامريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا ووسط أفريقيا.

ويقول الخبراء إن معظم أنشطة قطع الأشجار تجري لتهيئة الاراضي لزراعة المحاصيل ويمكن ان يتسبب هذا بدوره في خلق حلقة مفرغة من خلال زيادة درجة حرارة الارض وخفض الانتاج الغذائي في المزارع وهو ما يجبر المزارعين على قطع مزيد من الاشجار لزراعة الارض. وقالت ديبورا لورانس الاستاذة بجامعة فرجينيا وكبيرة المشرفين على هذه الدراسة “عندما تزيل أشجار المناطق المدارية فستواجه هذه المناطق درجة عالية من الاحتباس الحراري وأشد مستوى من الجفاف”.

وتؤدي إزالة الاشجار وزراعة محاصيل مكانها الى إطلاق غاز ثاني اكسيد الكربون في الجو ما يسهم بدوره في احداث الاحتباس الحراري. في الوقت ذاته تصير المناطق المنزوعة الاشجار أقل قدرة على الاحتفاظ بالرطوبة وسرعان ما يؤدي ذلك الى تغير أنماط الطقس محليا. وأشارت الدراسة الى انه اذا استمرت أنشطة قطع الغابات على معدلاتها الحالية في منطقة الغابات المطيرة بالامازون في امريكا الجنوبية فان محصول فول الصويا الذي تنتجه المنطقة قد يتراجع بنسبة 25 في المئة بحلول عام 2050.

ومضت الدراسة تقول إن قطع الغابات في جمهورية الكونجو الديمقراطية أو تايلاند قد يكون له تداعيات أبضا في مناطق أخرى من العالم إذ سيؤدي الى تزايد هطول الامطار على بريطانيا وهاواي وتراجعها في جنوب فرنسا ومنطقة الغرب الاوسط الامريكي. وقالت لورانس إنه على الصعيد العالمي فان أنشطة قطع الغابات تتزايد ببطء. وقالت إن البرازيل نجحت في خفض هذه المعدلات “من خلال قصة نجاح رائعة” فيما ساء الوضع في الغابات المدارية باندونيسيا. بحسب رويترز.

وقد تؤدي ازالة الغابات المدارية بالكامل الى زيادة في درجات حرارة العالم قدرها 0.7 درجة -وذلك اهم آثار غازات الاحتباس الحراري- ما يعني مضاعفة ارتفاع درجة حرارة العالم منذ عام 1850 . وقالت لورانس “دأبنا على تسمية الغابات المدارية بانها ’رئتا العالم’ إلا انها صارت أكثر شبها بغدد العرق”. ومضت تقول “تنطلق منها كميات كبيرة من الرطوبة ما يجعل كوكب الارض يحتفظ بالبرودة. لكن هذه العلاقة المهمة تزول بل انها تنقلب رأسا على عقب إذا ازيلت الغابات”.

أصعب تحدي

من جانب اخر أعلن برنامج الغذاء العالمي أنه يواجه أصعب تحد منذ الحرب العالمية الثانية، حيث يتعامل مع خمس أزمات إنسانية كبيرة في آن واحد. وقالت أرثارين كوزين رئيسة البرنامج، في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس للأنباء، إن الأزمات الخمس الحالية في كل من سوريا، والعراق، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، ووباء إيبولا في غرب افريقيا تتطلب عمليات واسعة النطاق من جانب البرنامج ووكالات الإغاثة الإنسانية الأخرى.

وبالإضافة إلى هذا، قالت كوزين إن البرنامج يقوم بجهود تحضيرية لزيادة محتملة في المساعدات الغذائية لأربع دول أخرى، تشهد تصاعدا في حالة عدم الاستقرار السياسي وهي اليمن، ونيجيريا، وأوكرانيا، وليبيا. وأوضحت كوزين أن هناك مطالب متزايدة تواجه الدول المانحة، ونتيجة لذلك فإن برنامج الغذاء اضطر لتخفيض المساعدات الغذائية بنسبة 30 في المئة، لنحو ستة ملايين سوري داخل وخارج سوريا خلال يناير/ كانون الثاني الماضي.

وقالت: “هناك تزايد في الأزمات التي تتطلب زيادة العمليات، من جانب المنظمات الإنسانية وبرنامج الغذاء تحديدا، منذ الحرب العالمية الثانية”. وأشارت إلى أن برنامج الغذاء في حاجة إلى نحو 113 مليون دولار بشكل عاجل من أجل سوريا، و102 مليون دولار في المنطقة من أجل الاستمرار في تقديم المساعدات الغذائية، خلال الأشهر القادمة.

وتوقفت المنظمة الدولية التابعة للأمم المتحدة عن تقديم قسائم الطعام، لنحو مليوني لاجئ سوري لعدة أسابيع في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بسبب عجز في التمويل المالي، واستطاعت فقط استئناف المساعدات بعد حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، أدت إلى توفير تمويلات في يناير/ كانون الثاني.

وناشدت كوزين المانحين بتقديم الدعم المالي للبرنامج لمواجهة تفاقم الاحتياجات الإنسانية للأشخاص الذين قد يشردوا عن منازلهم بسبب العملية العسكرية المرتقبة. وأعربت كوزين عن أسفها، لأنه على الرغم من العنف المتزايد فإن “العالم لا يعير اهتماما” إلى جنوب السودان، حيث يهدف البرنامج إلى مساعدة نحو ثلاثة ملايين شخص خلال العام الجاري، وجمهورية أفريقيا الوسطى حيث يقدم البرنامج مساعدات لنحو 1.5 مليون شخص، داخل هذه الدولة والدول المجاورة.

وأضافت كوزين أن برنامج الغذاء العالمي ينشر نحو ألف شخص، في الدول الثلاث الأكثر تضررا من تفشي وباء إيبولا، وهي ليبيريا وسيراليون وغينيا، ويقدم مساعدات غذائية لنحو 3.3 مليون شخص، كما يقدم أيضا الدعم اللوجيستي لبعثة منظمة الصحة العالمية هناك. وأوضحت كوزين أن الأمم المتحدة تقدم مساعدات غذائية، لنحو خمسة ملايين شخص في اليمن حاليا، وأن “الأوضاع ربما تتفاقم”. وفي نيجيريا يراقب البرنامج الحالات المتزايدة لسوء التغذية في شمال البلاد، ويدرس فرص تقديم مساعدات غذائية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى