مقالاتسلايدر

جرح لا يمحوه الزمن

الإباء / متابعة ….

معلّمان مرّا في حياتي وحفرا اسميهما وشخصيتيهما في ذاكرتي إلى الأبد، فبعض الأحداث والمواقف لا يمكن أن ينساها الإنسان، لكنه يمكن أن ينسى آلاف المواقف التي قد تفرحهُ أو تحزنهُ أو تؤذيه….

في درس العلوم بالمرحلة الابتدائية كان معلّمنا جميل المظهر، أنيق و وسيم، وكان وجهه يضجّ بدم العافية، عيناه زرقاوان وشعر رأسه فاحم السواد ناعم متوسط الطول، ما يعيب هذه المواصفات التي يتمناها كل إنسان، خلوّ رأس هذا المعلم من الذكاء الإنساني أو التعامل الذكي المنصف الذي يكمّل مواصفاته الجميلة التي ذكرتها.

دخل معلم العلوم الصف بهندامه الأنيق، وكانت مادة الدرس أهمية نظافة الإنسان وانعكاسها على صحته، كان الصف ممتلئاً بالتلاميذ الصغار عمرا، لكن بعضهم كبار في نفوسهم ومشاعرهم وحتى عقولهم، فلا يتصور أحد أن الطفل لا شعور أو لا إحساس له أو أنه يقل عن الكبار بدرجة كبيرة، فبعض الأطفال تجد فيهم نباهة وذكاء وإحساساً يتفوق على أعمارهم. بدأ معلم العلوم يشرح مادة الدرس وتكلّم أولا عن النظافة وكيف تميّز التلميذ عن غيره، وضرب لنا المعلّم مثالا بأحد التلاميذ الجالسين معنا في الصف، وقال هذا التلميذ هو نموذج للنظافة فتعلموا منه وقلّدوه في ملبسه ومظهره كي تكونوا نظيفين أصحّاء، استدارت الرؤوس كلها وانصبّت أنظار تلاميذ الصف على التلميذ النظيف الذي أصبح نموذجا لنا في النظافة.

واصل معلم العلوم النظيف شرح الدرس، وقال: أما النقيض لنموذج التلميذ النظيف فهو ذلك الطالب الذي يجلس قريبا من الشبّاك (وأشار بسبّابته نحوي، ثم واصل قوله شارحاً مخاطبا التلاميذ الصغار)، لاحظوا الفارق الكبير بينهما، في الملابس أولا، فهذا الطالب (وهو يقصدني) ملابسه رثّة متسخة، لاحظوا تلك الذبابة تستقر على قميصه، لاحظوا شعره الأشعث واصفرار وجهه، إنه نموذج للتلميذ المتّسخ!…..

تلك الكلمات التي قالها معلم العلوم عني لن أنساها ما حييت رغم أن عشرات السنين مرّت عليها، وفي لحظة قول المعلم لها حوّلتني كلماته تلك إلى شيء صغير لا وجود له ولا كرامة ولا أمل بالحياة، في اليوم الثاني جئت بأبي إلى مدرستي الابتدائية وطلبت النقل إلى مدرسة ابتدائية أخرى، لأنني من المحال أستطيع رؤية معلم العلوم مرة أخرى.

انتقلتُ إلى مدرسة الشهداء الابتدائية، كنت منكسراً، محبطا، وخشيت أن يتكرر المشهد نفسه في هذه المدرسة والصف الجديد والتلاميذ الجدد، أنا أتذكر جيدا أن ملابسي لم تكن متسخة حين اتخذني معلم العلوم نموذجا للتلميذ المتسخ، كانت أمي رحمها الله حريصة على نظافة ملابسي رغم فقرنا، تغسلها يوميا وترتّقها إذا كانت تحتاج إلى ذلك، حتى حذائي تحاول تنظيفه بأقصى ما تستطيع، نعم ملابسي لم تكن جديدة لكنها نظيفة، أتذكر هذا جيدا، لكنني بسبب انكساري لم أستطع أقول لمعلم العلوم أو لتلاميذ الصف إن أمّي لم تقصّر معي، نعم ملابسي قديمة وهذا ليس ذنبي ولا ذنب أمي ولا ذنب حتى أبي، إنه ذنب الحكومة.

دخلتُ المدرسة الجديدة مترددا رغم تشجيع أبي رحمه الله وحثّه لي على أن أكون قويا، فالإنسان ليس نظيفا بملابسه فقط، بل بقلبهِ وذكائه وتفوقه وسلامة ألفاظه وحسن تعامله مع الآخرين، هذه هي النظافة الحقيقية للإنسان كما كان يؤكد أبي، واصلتُ الدوام المنتظم في مدرستي الجديدة، وبدأت أستعيد ثقتي بنفسي، وأحصل على درجات عالية، بل في بعضها كدرس الرياضيات كنت أتفوق على جميع التلاميذ.

في أحد الأيام دخل معاون مدير مدرستي الجديدة إلى صفنا، وكان يدرسنا مادة الرياضيات بالإضافة إلى واجبه كمعاون، وقد أشاد بجميع التلاميذ بالصف وحث آخرين على أهمية الدراسة الجيدة للدروس كافة، وكتابة الواجب البيتي بصورة جيدة، لم يجرح أحداً حين اتخذني أمام الطلاب كنموذج للتلميذ الذكي المواظب على إتقان الدرس، في لحظتها تذكرت الفارق الكبير بين معلم يأخذ أحد تلاميذه نموذجا متّسخا ويأخذ آخراً نموذجا للتفوق، حصل هذا في المدرسة الجديدة على الرغم من أن ملابسي لم تتغير لأنني لا أستطيع شراء الجديد.

في أحد الأيام عندما دقّ جرس انتهاء آخر الدروس، وجدتُ أحدهم ينتظرني عند باب الصف، وحين خرجتُ أخبرني بأن معاون مدير المدرسة ومعلمنا في درس الرياضيات ينتظرني في غرفة المعلمين (غرفة إدارة المدرسة)، واصطحبني إليه، حين دخلت نهض المعلم المعاون واقفا مرحبّا بي، لم يكن في الغرفة سواه والشخص الذي اصطحبني إليه، أشاد المعلم المعاون بي وبذكائي وبتفوقي، وقدّم لي صندوقا لا أعرف ماذا يحتوي في داخله، وقال هذه هدية مدرستك لك بسبب تميزك، فوجئتُ وفرحتُ لكنني لم أستطع حمل الصندوق، فطلب المعاون المعلم من الشخص الذي اصطحبني إليه أن يحمل الصندوق معي إلى البيت.

حين دخلتُ بالصندوق إلى البيت فوجئت أمي ونادت على أبي، قلت لهما هذه هدية معاون المدرسة ومعلمي في درس الرياضيات، فتح أبي الصندوق، أخرج الأشياء منه تباعاً، قميصاً أبيض جديداً، بنطلونا أزرق، حذاء لمّاعاً، حزاما من الجلد، جوارب، رزمة أقلام ودفاتر، ساعة يد، وظرفا ورقيّا فيه مبلغ بسيط من المال….. بكت أمي وامتلأ وجهُ أبي بالفرح والسعادة.

الآن أتساءل:

هل يمكن أن أنسى هذين الموقفين، وهل أستطيع أن أنسى هذين المعلّمين ما حييت؟؟؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى