صحافة

الحزب التركستاني في سوريا.. تعرفوا على أسرار هذا التنظيم الإرهابي المسلح.

الإباء / متابعة 

 

ينتمي معظم مقاتلي الحزب التركستاني في سوريا إلى أقلية الإيغور الصينية ويلعب حاجز اللغة دوراً في إنعزالهم وعدم توفر معلومات عما يدور في كواليس فصيلهم.

يحيط الحزب الإسلامي التركستاني نفسه بسور من الألغاز والأسرار. تعدّد الولاء بين بيعةٍ رسميّة تربطه بحركة طالبان الأفغانيّة وحبلٍ سرّي قديم يجعله مرتبطاً بما تقدّمه له الاستخبارات التركيّة برئاسة هاكان فيدان من دعم وتمويل، زاد من درجة الغموض المحيط بالحزب، وجعل من الصعب، قراءة توجهاته ومعرفة أهدافه الحقيقيّة.

وبالرغم من درجة الانضباط العالية بين صفوف مقاتلي الحزب التركستاني، والتفافهم المتجذّر حول عصبيتّهم ذات الأصول التركيّة، وميلهم الفطريّ إلى التقوقع والانعزال، كان لا بدّ لبوصلة الحزب أن تهتزّ، قليلاً أو كثيراً، جراء ما تعرضت له في الشمال السوري من مؤثرات كثيرة، وضغوط ميدانية وسياسية، فضلاً عن الصراعات الايديولوجيّة التي طغت على مشهد الحركات الجهاديّة في سوريا منذ سنوات عديدة.

كان من الطبيعي، والحال كذلك، ألا ينجو الحزب التركستاني من بعض التأثيرات التي جرتها عليه العوامل السابقة، وأن يدفع ثمن التعقيدات التي تحيط بالمشهد السوري، والتي لم تستطع براغماتيته ولا اتّباعه مبدأ “النأي عن الاقتتال الداخلي”، من استيعاب جميع أبعادها وتداعياتها.

ومن دون كثير ضجيج، شهدت كواليس الحزب التركستاني خلال السنتين الماضيتين بعض التغيّرات والتحوّلات التي تعبّر من جهة عن أوّل اختراق في جدار السرّية والغموض الذي لفّ نشاط الحزب منذ تأسيسه الرسمي في سوريا عام 2014، وتعبّر من جهة ثانية عن تذبذب بوصلته وضياعها بين تيارات مختلفة ضمن الحزب أفرزتها موجات المؤثرات والضغوط المتلاحقة.

وأهم هذه المتغيّرات: عزل قيادة الحزب القديمة وتعيين قيادة جديدة ذات توجهات مختلفة، في الربع الأول من عام 2018، على الأرجح؛ إنخراط مقاتلو “التركستاني” في الاقتتال الداخلي بين بعض الفصائل المسلحة و”هيئة تحرير الشام” بين عامي 2018 و2019 حيث ساهمت الرافعة التركستانية في ترجيح كفّة “الهيئة” ومنع إنهيارها في مواجهة خصومها في مفاصل عدّة من المواجهات. وعلاوة على ما سبق، برز أول انشقاق علني في صفوف مقاتلي الحزب التركستاني عندما خرج منه مئات المقاتلين لتشكيل ما أسموها “كتيبة غرباء التركستان” ذات الميول القاعديّة الواضحة.

وتقف عوامل عديدة وراء هذه التغييرات التي عصفت في كواليس الحزب وأدّت إلى انحراف بوصلته وأبرزها الآتي:

أولاً، خضوع القيادة التركية للضغوط الصينية بخصوص ملف المقاتلين الإيغور، منذ العام 2016 حيث طرأت تعديلات كثيرة على كيفية إدارة الاستخبارات التركية لملف هؤلاء المقاتلين. وفي هذا السياق، أكّد مصدر خاص لموقع 180 أنه ينبغي التمييز بين السياسة العامة التي تنتهجها أنقرة إزاء الملف التركستاني ككلّ وبين علاقتها مع المقاتلين الإيغور المتواجدين على الأراضي السورية.

ويقول المصدر المطلّع على تطور نشاط الحزب التركستاني في سوريا، إن علاقة الاستخبارات التركية بالمقاتلين الإيغور في سوريا من حيث الدعم والتمويل لم يطرأ عليها اي تغيير يذكر، إذ ما زالت هذه العلاقة على حالها منذ نشأة الحزب وانخراطه في المشهد السوري. أما بشأن التفاهمات التركية الصينية التي طفت على السطح منذ زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى بكين في العام 2016، فقد تكون وضعت خطوطاً عامة لوقف عمليات تجنيد مقاتلين جدد من الإيغور وزجّهم في الجبهة السورية أو في جبهات أخرى ذات صلة بالمصالح التركية، كما أنها قد تكون وضعت أسساً مبدئية لكيفية حلّ ملفّ المقاتلين الأجانب في سوريا وما سيكون مصير الإيغور عندما يحين أوان البحث فيه.

القيادة الجديدة للحزب التركستاني بجميع توجهاتها وقراراتها لا تخطو خطوة واحدة من دون أن تصلها كلمة السر الخاصة بها من قيادة حركة طالبان في أفغانستان

ثانياً، لا يخرج موضوع عزل القيادة السابقة للحزب ممثلة بزعيمه أبي محمد ابراهيم التركستاني، عن سياق “تهيئة بيئة إدلب” من أجل التأقلم مع مسار التفاهمات الروسية – التركية، والسعي للتخلص من أي “صاعق تفجير” يمكن أن يقضي على مسار التهدئة ويعيد الأمور إلى مربع التصعيد والقتال. ومربط الفرس في هذه النقطة أنّ إبراهيم التركستاني لم يكن يخفي تعاطفه مع تنظيم القاعدة، الأمر الذي انعكس بطبيعة الحال على سلوكه مع فرع القاعدة في سوريا، حيث كان لا يبخل في تأمين الحماية له، وتقديم ما يلزم من أجل توسيع نشاطه.

هذا الميل القاعديّ للزعيم التركستاني أخذ يتنافر إلى حدّ التناقض مع متطلبات مرحلة التفاهمات الروسية – التركية بخصوص التهدئة في إدلب وحلّ معضلة التنظيمات المتشددة فيها.

وبالرغم من الخدمات الجليلة التي قدّمها أبو محمد ابراهيم التركستاني لزعيم “هيئة تحرير الشام” أبي محمد الجولاني خصوصاً في إنهاء ملف جند الأقصى والوقوف ضد خلايا تنظيم داعش، فقد لعب الأخير دوراً رئيسياً في تأليب قيادات الصف الأول من الحزب التركستاني ضد زعيمهم حتى وصل الأمر إلى إرسال شكاوى وتقارير إلى قياداتهم في طالبان، وأفضت إلى عزله من القيادة وتعيين قيادي جديد يحمل لقباً مشابهاً هو أبو محمد التركستاني، وذلك على رأس قيادة جديدة للحزب.

وقد سرت أنباء مفادها أن قيادة الحزب التركستاني الجديدة قامت بمبايعة الجولاني سرّاً. لكن المعلومات المؤكدة تشير إلى عدم وجود أية بيعة سرية وأن قيادة “التركستاني” لا تفكر في التخلي عن مبايعتها لحركة طالبان الأفغانية، غير أن مستوى التوافق بين هذه القيادة والجولاني وصل إلى درجة يصعب فيها تحديد ما إذا كانت مستقلّة أم تتبع عضويّاً لـ”هيئة تحرير الشام”.

ورأى البعض أن التغيير الذي طرأ على قيادة الحزب التركستاني جاء تعبيراً عن تراجع دور “التيار الطالباني” داخله وغلبة تيار آخر يتأثر بالجولاني. لكن المصدر السابق الذي تحدث إلى موقع 180 فنّد هذه المزاعم، وأكد أن القيادة الجديدة بجميع توجهاتها وقراراتها لا تخطو خطوة واحدة من دون أن تصلها كلمة السر الخاصة بها من قيادة حركة طالبان في أفغانستان. وتأكيداً على ذلك، ذكر المصدر أن موقف الحزب التركستاني من اتفاق سوتشي واتفاق الخامس من آذار/مارس 2020، والذي يتماشى إلى حدّ التطابق مع موقف الجولاني، إنما جاء تنفيذاً لمضمون مراسلات جرت بين قيادة الحزب التركستاني وقيادة طالبان، وتضمنت من حيث النتيجة تبنّي الرؤية البراغماتية التي اجترحها الجولاني للتعامل مع هذا الملف. ومن هنا يمكن فهم عدم تعليق الحزب التركستاني على اتفاق الخامس من آذار/مارس وعدم سعيه إلى عرقلة الدوريات الروسية – التركية المشتركة، برغم أنها تمر في قطاع حغرافي يهيمن عليه عسكرياً، وهو قطاع جسر الشغور وريفها وصولاً إلى ريف اللاذقية الشمالي الغربي. أكثر من ذلك، فقد اختلفت طريقة تعامل “التركستاني” مع تنظيم “حراس الدين” وهو من أشد معارضي التفاهمات الروسية – التركية، وبالتالي، تم رفع الحماية التي كانت توفرها له القيادة السابقة، وكان هذا أحد العوامل التي انتظر الجولاني توافرها قبل اتخاذ قراره، مؤخراً، بالانقضاض على فصيل “حراس الدين” القاعدي وتجريده من نفوذه ومناطق انتشاره.

هذه المعادلة التي أرستها قيادة الحزب التركستاني الجديدة، تعبّر عن تقاطع مصالح بين أنقرة وحركة طالبان وتنسيق جهودهما في عدد من الملفات وبينها الملف السوري، كما أنها تصب في صالح جهود التهدئة المطلوبة، إقليمياً ودولياً. لكن هل ستصمد هذه المعادلة وإلى متى؟

يجيب المصدر السابق أن جميع الاحتمالات واردة خصوصاً مع سعي قيادات في الحزب التركستاني بالتعاون مع قيادات قاعدية على نقل صورة مغايرة للمشهد السوري إلى قيادة حركة طالبان ودفعها لتغيير موقفها من التفاهمات الروسية – التركية، وبالتالي عزل القيادة الجديدة، وسيبقى موقف الحزب رهن نتيجة هذه الجهود ومدى استجابة قيادة طالبان لها في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى