مقالاتسلايدر

الحدث التاريخي بين القصص الأدبي والسرد الفلسفي

الإباء / متابعة …..

ربما من أهم دواعي ظهور كوكبة من الفلاسفة في الحقبة المعاصرة يهتمون بالحدث ويدورون في فلكه هي هيمنة الافتراضي على الواقعي والاصطناعي على الطبيعي واللاّسوي المرضي على السوي العادي وغلبة الحاجات المتزايدة على الضروريات المحدودة وطغيان العرضي والمداهم على المعلوم والمظهر على الجوهر دون أن نهمل تعرض المفاهيم الكونية والتصورات التاريخية الى القلب والخلط والتلبيس.

غير أن ظهور الحدث من جهة أولى في رواق الفلسفة ليسا أمرا طارئا ولا يعتبر بيّنة على من ادعى التفلسف بالمعنى المعاصر للعبارة بل قديم قدم التفكير الفلسفي ويرتبط بالمهمة المتأصلة للتفلسف والمتمثلة في الاهتمام بالإيتيقا ولذلك لا غرابة من وجوده في النظرية الرواقية التي حاولت كسر صورة القياس البرهاني في المنطق الأرسطي والتأكيد على الفردي والشرطي في مستوي الوجود للمضمون الجسدي2.

علاوة على أن السرد من جهة ثانية لا يعد ضيفا جديدا في العدة المنهجية لمحبي الكلمة ومؤثري الحكمة بل هو مقيم أصلي ومعمر ماكث منذ الأغورا Agora في المدينة الإغريقية سواء عند الشعراء والمؤرخين على غرار هوميروس وهيرودوت أو عند أفلاطون وأرسطو والقديس أوغسطين بالرغم من تكرر محاولات التبكيت. غير أن الأمر المستجد هو إخضاع الحدث الواقعي الى صرامة المقاربة الحتمية في النسق العلمي التاريخي في مدرسة الحوليات وصلت إلى إعلان أفوله وبعد ذلك حضوره بكثافة في المدار الفلسفي عينه مع وايتهيد وهيدجر وليفيناس ودولوز وليوتارد وباديو وهو ما أفضى الى تحديد مهمة الفيلسوف أو مهنته وصنعته (إذا جازت لنا العبارة طبعا) في البحث عن الحقيقة وإنقاذ الظواهر وتدبير المدينة والحضور في العالم وانتشال المعنى وإضفاء القيمة وترسيخ الحكمة وتدعيم العيش السوي.3 على هذا النحو مثل السرد حدثا في الفلسفة وجسد الحدث موضوع سردية فلسفية قائمة الذات4.

لقد طرح اللقاء بين السرد والحدث عدة تحديات وإحراجات تتعلق بالنزاع بين الذاكرة والنسيان وبين الماضي التاريخي الشمولي والراهن الثوري وأعاد على بدء التفكير في مسألة الهوية والخصوصية ومقارنتها بالكونية والعالمية. غير أن التوجه نحو إعادة تكوين الهويات على أساس سردي أحدث بدوره قطيعة بين المرجعيات وأربك التفسيرات الإيديولوجية للتاريخ وأمط اللثام عن قيمة القصص وأدى إلى إعادة تنزيل لمقولة الحدث ضمن الحقل الإيتيقي بحثا عن المعنى بالتأويل وإعادة قراءة التاريخ الثقافي للإنسانية إنقاذا لحقوق الشعوب والحريات الفردية وتمتينا للتوافق المستحيل وإبراما للمصالحة الممتنعة مع الواقع العبثي.

لو اختبرنا الأمر في فلسفة ريكور فإن إطلالة أولى وظاهرية ومتسرعة للنصوص الريكورية تنفي إمكانية اعتنائه بمسألة الحدث فهو حاضر بشكل عرضي في كتابه العمدة “عين الذات غيرا”5 ولم يصنفه أوليفيي آبل وجيروم بوريه ضمن المصطلحات الأساسية في مفردات بول ريكور6 ولا يكاد يذكره بتاتا في كتبه المتأخرة سواء في ” الذاكرة، التاريخ، النسيان” أو في “مسار الاعتراف ” و”أن نحيا الى حد الموت”. غير أن التمعن والتدقيق ينير لنا الطريق نحو تناول الحدث التاريخي من زاوية سردية في ثلاثية الزمان والسرد وبأكثر استفاضة في القسم الأول ويظهر لنا مقال في ستة صفحات معنون “العودة إلى الحدث” كتبه سنة 1992 وقد أيدت الباحثة صابرينة برنت فرضية ذلك بنشرها دراسة:” على خطى بول ريكور: من أجل انشائية الحدث” في دورية أعماق البحث العلمي التابعة للجامعة الحرة ببروكسال وقد جعلت من ريكور فيلسوف الحدث وبينت أن أعمال ريكور يمكن أن تكون نافعة في تحليل وتأويل حدث الحرب وذلك لتأثر تمرينه المنهجي المنصب على الأحداث وتساؤلاته النظرية بالبحث الأدبي والسرد التاريخي7.

في الواقع إذا ما أردنا تنزيل هذه الإشكالية ضمن المدونة الريكورية باحثين عن منارات توضيحية وفصول تمهيدية فحري بنا أن نطرح الأسئلة الفرعية التالية: هل كان اللقاء مجرد تشكيل افتراضي أم إعادة تشكيل بواسطة التخيل والاستعارة الحية والحقيقة المجازية وشعرية الوجود؟ وماهي دواعي استنجاد الحدث بالسرد؟ وما المقصود بالحدث السردي؟ وكيف يمكن تعريف السرد ضمن الأحداث الفلسفية التي تم إعادة الاعتبار إليها؟ وألا يمكن تحميل السرديات مسؤولية التصور المغلق للهويات القاتلة والتفكير التأويلي في انفتاح القص على الحدث السعيد؟ ومن يعطي معيار التمييز بين الحدث السعيد والحديث الشنيع؟ هل هو علم التاريخ أم الايتيقا السردية؟ وماهو مصير الحدث في الفلسفة الريكورية؟ هل اقتصر مجهود ريكور على التطرق إلى أفول الحدث بالموازاة مع أفول السرد؟ بأي معنى ساهم في الدفاعات على الحدث على غرار دفاعاته على السرد؟ وماذا يقصد بإنشائية الحدث poéthique de l’événement؟ وما علاقتها باستحسان القصص؟ ألا يتعلق الأمر بالتساؤل على كيفية كتابة التاريخ ومعرفة المكونات الضرورية للمعرفة التاريخية؟ كيف يمكن أن يكتب التاريخ؟ ومن يقوم بمهمة كتابته؟ هل يوجد منهج للتاريخ أم أن له بالفعل نقدا موضوعا؟ ماهي أهداف علم التاريخ؟ كيف يؤثر ارتباط الأحداث بالحبكات على كتابة التاريخ؟ وماهي الصورة التي يستخدمها المؤرخ في كتابته؟ هل هو الجمع بين الحبكة والسرد معا أم اعادة التكوين وتنظيم الفكر للتجربة الزمانية؟ وهل يُعَدُّ التاريخ علما ملموسا ووصفا للمحدد أم أنه تحول الى فعالية نقدية للأحداث وفهم عميق للوقائع؟

ما هو في ميزان الفكر ومدار العمل هو اختبار مدى أهمية العودة الفلسفية الى الحدث التي أطلقها بيير نورا ردا على المقاربة الابستيمولوجية الوضعية عند بروديل وتسديد مقاربة تأويلية إيتيقية للحدث التاريخي من طرف بول ريكور تطعم القصدية التاريخية بإنشائية سردية ذات عماد أنطولوجي راسخ8. لكن كيف تعرض الحدث التاريخي الى الذم والاقصاء؟ ومن قام بهذه المهمة غير المحبذة من الفلاسفة؟

1- أفول الحدث التاريخي:

“لا يمكن إيجاد تفسير لأي حدث مفرد اذا كان على التفسير أن يعلل جميع خواص الحدث…وبالنتيجة، فإن الطبيعة الفريدة لأي حدث هي أسطورة لابد من نبذها وراء أفق العالم”9

يتنزل التفكير في الحدث من طرف ريكور ضمن الاهتمام المبكر الذي أولاه للتاريخ بصفة عامة وللزمان بصفة عامة منذ 1950 ونشره كتاب “التاريخ والحقيقة” وبالتحديد ضمن توتر تاريخ الفلسفة مع وحدة الحق. لهذا يعبر ريكور عن المفارقة الخاصة بمعنى الحدث التاريخي من ناحية موضوعية التاريخ وذاتية المؤرخ على النحو التالي: ” يريد التاريخ أن يكون موضوعيا ولكنه لا يمكنه أن يكون، ويريد أن يجعل من الأحداث معاصرة غير أنه مطالب في ذات الوقت بأن يردم هوة المسافة وعمق الابتعاد التاريخي”10. بعبارة أخرى إن المعضلة الأساسية التي تطرح بين التغير الريبي للتاريخ والثبات الدوغمائي للحقيقة تظهر بشكل ملموس في تعلق التناغم المحايد بالتاريخ وارتباط الالتزام وخطر الوقوع في الخطأ بالبحث عن الحقيقة ويترتب عن ذلك لزومية تخلي الفيلسوف عن فلسفة التاريخ لكي يشتغل على تاريخ الفلسفة11.

لقد اقترح ريكور مجموعة من النقاط المضيئة للخروج من التناقض بين ريبية الأحداث التاريخية ودوغمائية الحقيقة ومن الهوة الفاصلة بين ذاتية المؤرخ وموضوعية التاريخ ولعل أهمها التذكير بمنطق الذاتية الفلسفية والتعامل مع التاريخ بوصفه حدثانAvènement المعنى12 في مرحلة أولى وباعتباره نطاق البيذاتية intersubjectivité في مرحلة ثانية13. بيد أن هذه المقترحات لم تسعفه للخروج من ورطة التمييز بين مؤرخي الفلسفة وعلماء التاريخ ولم تمكنه من تحديد صنعة المؤرخ وإثارة مشكل الحدث لخلطه بين التاريخ بصيغة المفرد والتاريخ بصيغة الجمع. ربما الوضعية مابعد البنيوية التي توفرت بعد ذلك قد سمحت له الجمع في البحث بين المقاربة النصية والسياقية للواقعة الأدبية واستخراج الرهانات الإيتيقية من تقاطع التاريخ والخيال والحدث والسرد. ولقد ساعد ذلك على بلورة منهجية تعددية مكنته من فرصة التفكير في مجموعة من التعريفات المتنوعة للحدث تعود الى فن الشعر عند أرسطو والكتابة التاريخية لمدرسة الحوليات والفنومينولوجيا والفلسفة التحليلية.

على هذا الأساس مثل الحدث من جهة أسلوب كتابته ومن حيث سياقه التداولي نقطة انطلاق واعدة بالنسبة إلى فلسفة ريكور احتاجت في تاريخ لاحق لمصادر نظرية جديدة لكي تستكمل مهمة توسيع حقله الدلالي14. لقد استقر الأمر في هذا المستوى على تعريف الحدث بوصفه حدثا سرديا وعلى اعتبار السرد حدثا فلسفيا. من المعلوم أن الجزء الأول من كتاب “الزمان والسرد” يعج باستعمالات المتكررة للفظ الحدث في المفرد والجمع (أحداث) وخاصة في القسم الثاني الخاص بالتاريخ والسرد وبالتحديد الفصول 4 و5 و6 أفول السرد ودفاعات عن السرد والقصدية التاريخية أثناء نقاشه مع مدرسة الحوليات التي يمثلها لوسيان فيفر وبروديل ومارك بلوخ وجاك لوغوف وإعلانه بشكل مثير أفول الحدث في كتابة التاريخ الفرنسية وقد جعل إعلان أفول الحدث متكافئا مع إعلان أفول السرد من طرف جان فرنسوا ليوتار ووالتر بنيامين وادوارد سعيد ورفض التأكيدات الأنطولوجية والابستيمولوجية التي قامت عليها نظرية تاريخ الأحداث، ولقد ميز، في أثناء ذلك أيضا بين الأحداث وأشباه الأحداث وبين الحدث الرئيس والحدث الفريد15.

في هذا السياق يقوم ريكور بتحليل دلالي لمصطلح الحدث قبل الخوض في الصراعات التي طرأت بين المؤرخين ويرى بأن المعنى الأول الذي لا يعيره اهتماما هو القول بأن الحدث هو كل ما يأتي ويقع، يظهر ويختفي، وبعبارة أخرى يقع أن يحدث شيء معين دائما وأبدا، ويمكن أن يشير هذا المعنى الى الواقعة الفيزيائية مثل الاعصار والبركان والزلزال والفيضان والكسوف والخسوف والمد والجزر والولادة والنمو والتهرم والزوال ضمن كلية زمانية تتخللها حركات التشكيل والتحبيك والانفراج.

غير أن الانتقال من الحدث الفيزيائي الى الحدث التاريخي يتطلب توفر ثلاثة شروط هي:

– الكائن الإنساني في المفرد أو في الجمع يساهم في الحدث من جهة الإنتاج أو من جهة التأثر.

– تخضع الأحداث إلى حكم قيمة بالاستحسان أو بالاستهجان من طرف معاصريها ويلعب السرد دورا معينا في عملية تسجيلها.

– تقوم العملية التاريخية بالانتقاء والتنظيم والتحبيك وتظهر هو ابستيمولوجية بين الحدث كما وقع في حالته الأولى في مسرح التاريخ والحدث كما تم التواصل معه وسرده وتسجيله وأرشفته16.

ما اصطلح على تسميته التاريخ الحدثي événementielle histoire عند مدرسة الحوليات هو في الحقيقة استعمال معين ودقيق لمفهوم الحدث. لقد شهد القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ثورة في الوثائق ارتكزت على قاعدتين منهجيتين:

– الأولى هي نقد المصادر وتقصي الأصول والتفتيش عن الأنساب.

– الثانية هي البحث عن التفسير بواسطة ما يحقق للتاريخ طموحه في أن يكون علما.

لكن ريكور ينتبه إلى استمرار الاعتماد على الشكل السردي الذي بدأ منذ القرن السابع عشر ويعود الى عصر النهضة بالرغم من انتصار التاريخ الحدثي بعد استخدامه للوثيقة في التفسير والنقد التاريخي. لقد جاء في قاموس الفلسفة تأكيدا لهذا الترابط بين الحدث التاريخي والسرد: “ما يحدث في التاريخ، وهذا هو القول، ظاهرة هامة لكن مؤقتة، مع ظروفها في الزمان والمكان، والتي يمكن أيضا أن تدخل في جدول زمني وتمثل موضوع سرد ما. في هذا المعنى، فإن ما يسمى التاريخ الحدثي يتعلق بالسرد وبالتسلسل السببي للأحداث ليستبعد أي بحث بشأن تأويلها ضمن إطار أكثر اتساعا وأكثر عمومية “17. لقد كشف ريكور عن وجود تقارب بين الهجوم على السرد من قبل اتجاه القانون الشامل والهجوم على الحدث من قبل اتجاه التفسير الوضعي للتاريخ عند مدرس الحوليات.

لكن إذا كان أفول السرد يرجع إلى القطيعة الابستيمولوجية بين التفسير التاريخي والفهم السردي حسب النزعة الوضعية والى استبدال الفرد الفاعل في حقل التاريخ بالواقعة أو الحادثة الاجتماعية الكلية فإن أفول الحدث مرده بعض الافتراضات المضللة المتأتية من الحس المشترك ومن تداول تعريف اعتيادي للتاريخ بوصفه معرفة بالماضي ونسبة عالم الأحداث الى فاعلين إنسانيين والخلط بين الظواهر الطبيعية والأحداث التاريخية. إذا أسقطنا المعنى التاريخي للحدث من الحساب فإننا لا نقدر على وضع هذا المصطلح في ما يعيشه الملاحظ ومجموعته وكل ما يقع على الأرض من تغيرات قبل ظهور الإنسان يمكن أن يسمى أحداثا طبيعية لا تقل قيمة عن الأحداث البشرية، وبالتالي يمكن التعامل مع بعض الأحداث الفيزيائية على أنها أحداث تاريخية هامة بالنظر إلى طابعها الفجائي واللاّمتوقع. فإذا ما أخذنا الحدث في معناه الأول أو الواسع فإننا نضيف اليه محمولا زمنيا وننزله ضمن ديمومة مهما كانت ضئيلة.

لقد تبوأ مفهوم الحدث في الاختصاصات التاريخية مكانة هامة في السجال المنهجي المعاصر وبرز ذلك بشكل لافت عند اللقاء الذي تم بين التاريخ التجريبي والتاريخ الوضعي ونتج عنه التمسك بالإرادة الموضوعية والوفاء للطابع الحدثي. لكن البحث التاريخي توجه بعد ذلك على خطى مدرسة الحوليات عند بلوخ وبروديل وفيفر نحو بناء تاريخ اجتماعي وأنثربولوجي وذلك بتحيين البنيات والروابط التي تصل بين الأحداث وتعرضها في شكل منسق ومنظم وتسهر على استمراريتها وتعاقبها. غني عن البيان أن الحدث يظهر اذن باعتبارهم حثالة التاريخ يعيش وقتا قصيرا دراماتيكيا ولكنه يتميز عن الديمومة الطويلة للتيارات العميقة للواقعة التاريخية التي تحدث عنها بروديل في كتاباته عن التاريخ وتطرح مشكل العلاقة بين السلسلة الزمنية المنفصلة التي تطرح عند فوكو ضمن سببية موجودة بين سلسلة الأحداث ومختلف الأبعاد المتنوعة المتكونة للواقعة الاجتماعية. ولا يهم مسألة ظهور الحدث بوصفه نتيجة السطح أو متأثر ببني مجهرية وعميقة بل الأهم هو السببية التفاعلية التي تربطه بالتاريخ الثقافي والاجتماعي وخاصة حينما يتعلق الأمر بتأثير الأحداث على تاريخ الذهنيات وتبدلها بين الشرق والغرب18.

كما ينطوي مفهوم الحدث حسب بول ريكور على تأكيدات أنطولوجية وابستيمولوجية:

– الانوجاد المطلق والفعل الإنساني الماضي بإطلاق والآخرية المطلقة: الحدث التاريخي هو ما حدث فعلا في الماضي. غير أن خاصية ما حدث أصلا تختلف بشكل جذري عما لم يحدث بعد وبهذا المعنى يعتبر ما حدث في الماضي خاصية مطلقة مستقلة عن محاولة إعادة بنائها راهنا.

– التعارض بين فرادة الحدث غير قابلة للتكرار بكلية القانون وشموليته، والتعارض بين العرضية العملية والضرورة المنطقية، ووجود فجوة كبيرة بين الحدث والنموذج الثابت أو الذي يتم إنشائه.

يترتب عن ذلك أن الحدث هو ما يقع مرة واحدة فقط وإذا أمكن تتكرره في المستقبل فسيكون على نحو مختلف أو في شكل ملهاة أو مأساة مثلما تذهب الى ذلك فلسفات التاريخ عند هيجل وماركس. لقد جعل بول ريكور من مفهوم الحدث محكا لاختبار قدرة السرد على المساهمة في تجديد المعرفة التاريخية وفحص مساهمة كتابة التاريخ الفرنسية وخاصة مدرسة الحوليات في نقد تاريخ الأحداث والوقائع واكتشف تزامن أفول السرد مع أفول الحدث وذلك بسبب استبدال الفرد الفاعل بالواقعة الحدث. “لا يمتلك السرد بالنسبة الى هؤلاء المؤلفين إلا خاصية تتالي الأحداثepisodic، إذ لا يرون فيه خاصية تصورية. وذلك هو السبب الذي جعلهم يحدثون قطيعة إبستيمولوجية بين التاريخ والسرد.”19 لقد تم تعريف الحدث التاريخي بأن ما وقع فعلا في الماضي وما يختلف جذريا عما لم يحدث بعد وتم اعتبار علم التاريخ العادي معرفة أحداث الماضي واهتم المؤرخون بنسبتها لفاعلين انسانيين مشابهين. لم يعد الفرد موضوع التاريخ بل الواقعة الاجتماعية الكلية وبالتالي تم رفض فكرة الحادثة التاريخية بوصفها قفزة زمانية ولم يعد العالم تاريخ الأحداث تندلع فيه الأحداث مثلما تندلع الانفجاريات والمعارك. لقد خاضت مدرسة الحوليات صراعا منهجيا ضد أسبقية الحدث وضد أسبقية الفرد وضد أسبقية السرد ورفضت المنزلة السردية للتاريخ وأن يكون تاريخ الأحداث تاريخا سرديا ولم تقم بالجمع بين الواقع التاريخي والخيال السردي بل جردت التاريخ السردي من أي قيمة وأسندت للأحداث وظيفة مرور الأفراد وصعودهم وهبوطهم وبالتالي جعلت الأفراد حاملين التغيير الاجتماعي مجرد ضحايا للأحداث التاريخية. لقد طرح كل من فرنان بورديل ومارك بلوخ ولوسيان فيفر مشكل كتابة التاريخ بين الذاتية والموضوعية وبحثوا عن العلاقات السببية بين الأحداث ودرسوا قضية “هذا الشيء حدث بسبب هذا الأمر” ولكنهم لم يفترضوا وجود الأسباب بشكل مسبق بل بحثوا عنها في الحقبة الزمنية الطويلة والزمن الجغرافي العام. غير أن ريكور ينقد هذا التوجه في تفسير التاريخ ويعود الى المغمور في أعماق التاريخ والحقبة الزمنية القصيرة والواقع الجزئي والبطيء والاستعارات التي تعبر عن العذابات الحيوية للأفراد الفاعلين بصمت.

ان ابستيمولوجيا التاريخ التي يعتمدها ريكور تحرص على التمييز بين الأسباب والقوانين وبين النماذج والبنى اللاّزمنية التي تحدث عنها شتراوس وغزارة الحياة وحركيتها في حقبها الزمنية المختلفة ووقائعها المتكررة فارقيا. غير أنه يقاوم فكرة البنية الساكنة التي تمتص العرضي وتسلسل التاريخ ويعترض على الحقبة الطويلة التي تجرد الحدث من فرادته الكارثية ويرفض أن تكون فرادة الحدث متأتية من عدم قابليته للتكرار ويدمج الحبكة في الحدث ويقر بأن الحدث الانفجاري القصير والعصبي يسهم في تطور الحبكة. لقد تمسكت مدرسة الحوليات في اطار نظرية التاريخ الجديد بالتحرر من قبضة الأحداث وأكدت على الاستمرارية ضد تاريخ الأحداث وبحثت عن الحقب الزمنية الطويلة في الجغرافيا (المتوسط) والاقتصاد (الأزمة العالمية) والسياسة (الثورة الفرنسية) حرصا منها على قيادة الأحداث وإبقاء التاريخ تاريخيا. على خلاف ذلك يحاول ريكور أن ينقذ الحدث العرضي المعزول وذلك ببناء وساطة رمزية بين البينة والحال وبين التاريخ التقليدي والتاريخ المتسلسل وبين الوثائق والوقائع وبين الأفعال الفردية والكميات الاجتماعية وبين التحليل الكمي والبعد الكيفي وبين زمن صناعة الأحداث وزمن رواية الأحداث.

يجب على التاريخ لكي يظل تاريخيا عند ريكور أن يتعقل التغيرات البطيئة التي تنتجها أشباه الأحداث ويعتبر من تحولات البنى وتأثيرات الظروف المادية والعلاقات الاجتماعية ويتفادى الوقوع في الغربة والانفصال بالجمع بين علم الدلالة البنيوي وبلاغة أشكال الخطاب وبين التفسير السببي والتفسير الغائي. لقد أدى هجوم أنصار نموذج القانون الشامل في الفلسفة التحليلية ضد الفهم وهجوم مؤرخي الحقبة الطويلة في كتابة التاريخ الفرنسية عند مدرسة الحوليات ضد الحدث الى أفول السرد والتسليم بان مصره محكوم بمصير الحدث وذلك لعدم قابلية الفهم للاختزال الى التفسير وتقوض امكانية استمداد التاريخ من السرد. لقد استفاد ريكور كثيرا من مغادرته المنهجية لمدرسة الحوليات عند المؤرخين الفرنسيين إلى ابستيمولوجيا التاريخ الصادرة عن الوضعية المنطقية التي تهتم بالمعياري أكثر من الوصفي وتتشبث بوحدة العلم ومن ابستيمولوجيا موريس ماندلباوم والسوسيولوجيا النقدية للايديولوجيات عند جورج دوبي ودي توكفيل. ولقد ساعده كل من أرسطو في نظرية التراجيديا في فن الشعر وفلسفة التاريخ النقدية في ألمانيا عند ماكس فيبر ونماذجه الإرشادية أو أنماطه المثالية وبول فين على إعادة الحبكة إلى التاريخ. كما رجع إلى بول فيين في كتابه أزمة المعرفة التاريخية وعمله الجبار حول ميشيل فوكو والثورة التي أحدثها في منهجية مقاربة التاريخ وتوقف عند موضوع التاريخ بوصفه رواية مطابقة للحقيقة واستنتج عدم وجود التاريخ من تاريخية الأشياء طالما أن التاريخ ليس وقائع ولا معيارا هندسيا بل حبكة روائية20.

لقد أدى التساؤل عن المنزلة السردية للتاريخ الى امتحان المنزلة العلمية للحدث على وجه التحديد وبالتالي تم التوقف عن فهم الأحداث بوصفها المبادئ الذرية للتغير التاريخي وزاد الاهتمام بالأحداث الجزئية التي وقعت في الماضي التاريخي ولم يتم ذكرها في الأخبار الرسمية والشهادات الموثقة والسير الذاتية للشخصيات المحورية التي بقيت تتحرك في الفرضيات الكلية وتم اغفال التفاصيل والوقائع الجزئية. والحق أن “الشيء الأساسي هنا هو أن شيئا ما يحدث….إلا أن المرء ليس بإمكانه أن يصف على نحو ملائم ما يحدث هنا باعتباره معرفة متقدمة لماهو موجود…ذلك أن هذا الحدوث يعني تفعيل وفاعلية مضمون التراث بإمكانية دلالته وتصاديه المتسعة باستمرار عن طريق الذين يتلقونه”21. لكن لماذا استنجد ريكور بالإنشائية والإيتيقا السردية محاولا توجيه مرافعات من أجل الدفاع عن الحدث؟

2- دفاعات عن الحدث:

” نحن لا نعيد كتابة التاريخ نفسه بل نكتب تاريخا آخر…والتاريخ غير محكوم بأن يظل ميدانا للصراع بين وجهات النظر التي لا يمكن التوفيق بينها.”22

توجد هرمينوطيقا الوضع التاريخي في القسم الثالث من كتاب الذاكرة والتاريخ والنسيان وتندرج ضمن ما يسميه بول ريكور بالغفران الصعب وتأتي بعد فنومينولوجيا الذاكرة وابستيمولوجيا المعرفة التاريخية. في هذا السياق تتنزل هرمينوطيقا الوضع التاريخي ضمن ما يسميه ريكور “نحو فنومينولوجيا الوعي التاريخي” والتي جعلت الوعي التاريخي يصبح وضعا تاريخيا وتضم لحظتين متكاملتين يقوم بالتمييز بينهما بوضوح هما: “الهرمينوطيقا النقدية” من جهة و”الهرمينوطيقا الأنطولوجية” من جهة أخرى. لقد شيد ريكور هذا المشروع على أساس التحليل الهيدجري للتجربة الزمانية للدازاين من جهة وأقام عدد من الخصومات الجوهرية مع الإطار الهيدجري من منطلق ابستيمولوجي عرفاني وذلك بغية فتح النظر على الحقل العملي الإيتيقي والتفكير في الفلسفة المعيارية للفعل وما تغنمه من المرجع السردي للتاريخ.24

على هذا الأساس يحاول ريكور تقييم صنعة المؤرخ بالاعتماد على نقد كتابة التاريخ الفرنسية والابستيمولوجيا الوضعية الجديدة وبالرجوع إلى فلسفة التاريخ النقدية الموروثة عن دلتاي وريكرت وتوينبي وماكس فيبر وهنري مارو ويتحرك ضمن رفضه لفلسفة التاريخ والطبيعة السردية للتاريخ ولكنه يعيب على مدرسة الحوليات الوقوع في التعقيد وعدم مناقشة نماذج التفسير والتسليم بصحة النتائج ويسعى الى تبديد مسلمة الحس المشترك التي تقول بأن الأحداث التي وقعت فعلا ذات طبيعة مطلقة ومختلفة بشكل جذري عما لم يحدث بعد ويحاول أيضا أن يقلص الفجوة بين ادعاء الموضوعية والتجربة المعيشة غير قابلة للتكرار. إن الحدث العائد في نهاية القرن العشرين ليس ذلك الذي نقده بروديل وتم وضعه على هامش التاريخ من قبل الجيل السابق بل المكون الإبداعي الذي يتعارض ضروريا مع الزوج المفهومي البنية – الحدث ويغتني بالسرد والاستعارة والحبكة والخيال الخلاق ويتحرك على أرضية إنشائية ويثمر الابتكار الدلالي.

في هذا الصدد نجده يصرح: “مادام المؤرخون متورطون في فهم الأحداث الماضية وتفسيرها، فلن يمكن المصادقة على حادثة مطلقة عن طريق الخطاب التاريخي، فالفهم -حتى فهم شخص آخر في الحياة اليومية- ليس حدسا مباشرا، هو دائما أكثر من مجرد تعاطف بسيط، بل هو دائما إعادة بناء.”25 والحق أن صنعة المؤرخ ليست معرفة موضوعية بالماضي تقوم على تصنيف الوقائع وسرد الأحداث وإنما هذه العملية هي عامل تشويش يضاف إلى الماضي الذي يراد إضاءته وتشتغل على الأسئلة التي يطرحها المؤرخ على الماضي يتشابك فيه الذاتي بالموضوعي والعرضي بالقانون بغية إعادة خلقه افتراضيا ولا تثق العملية التحليلية على الوثيقة والأرشيف ولا تعتمد الشهادة بل الخيال والاستعارة وبناء الحبكة والسرد. لكن ما الذي يبرر استمرار اعتماد المؤرخين على الشكل السردي على الرغم من وجود منهج التفسير بواسطة القانون والتعويل على الوثيقة المادية والمكتوبة والشهادات المسموعة والمرئية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى