مقالات

ماهي الميتافيزيقا ؟

الإباء / متابعة …..

من الصعب معرفة بالضبط ماهي الميتافيزيقا، فهذا ربما ليس السؤال الاول الذي يحتاج للإجابة، خاصة اذا كنا في بداية الدراسة لهذا الحقل، لكن هذا سيكون أشبه بإرسال مستكشف ليرى كيف هو الطريق امامنا.

حب الاستطلاع الطبيعي يدفعنا للتفكير حول ما اذا كان العالم هو مايبدو لنا. في اللحظات القليلة التي نكون بها متحررين من عبء القضايا الدنيوية يأتي هذا السؤال بإلحاح لأذهاننا لمعرفة هل ان العالم هو ما يبدو لنا؟

نحن نعرف ان الاشياء احيانا تكشف عن ذاتها بطريقة ليست كما تبدو لنا، وان هناك اوهام، والاحاسيس ربما تخدعنا. العالم يبدو تشكّل من اشياء مادية ذات استمرارية معينة. ايضا، عندما نلاحظ أي حدث، هذا دائما له سبب آخر، نحن نرى الاشياء لا تختفي الى لاشيء وانها لا تأتي من لا شيء ابدا. العالم يبدو في هذه الطريقة، ولكن هل هذا هو حقا؟ هل العالم نوع من الوهم؟ ماذا يوجد حقا؟ ماهي الحقيقة؟

هذه بعض الأسئلة التي تسعى الميتافيزيقا للإجابة عليها، ماذا يوجد، ماهي طبيعته، ماذا هناك، وكيف يتم ذلك. ماهي السمة الكلية للعالم؟ اسم ميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) جاء في الأصل من تصنيف مكتبي. ارسطو اطلق اسم ميتافيزيقا على النصوص التي جاء موقعها على الرف بعد النصوص المتعلقة بالطبيعة، ارسطو ذاته سمى هذه النصوص بالفلسفة الاولى التي تعطينا فكرة عن كيفية التعامل مع المفاهيم الاساسية للفلسفة.

لو اردنا تلخيص معنى الميتافيزيقا بسؤال واحد سيكون: لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء؟ كل الاسئلة في الفلسفة تتجه نحو هذا السؤال كالأنهار التي تتجه نحو المحيط. من الواضح، كما يقول هايدجر “هذه ام جميع الاسئلة”. واضح ايضا ان الغالبية من الناس نادرا ما يسألون أنفسهم هذا السؤال. في معظم الاوقات التي يجيب بها الناس على هذا السؤال يشيرون به الى القصص الكبرى التي جاءت بها بعض الاديان، اذ يقول الثيولوجي المسيحي، ان الله خلق العالم من لا شيء.

وخلافا للدين والثيولوجيا اللذان يؤسسان كل شيء على العقيدة، فان الميتافيزيقا تحاول الاجابة على الاسئلة الاساسية لتضع الاساس لكل ما نعرفه من الاشياء بيقين. في الدين او الثيولوجي يكون السؤال: ماذا اعتقد؟ على عكس ذلك في الميتافيزيقا، السؤال الاساسي يكون ماذا يمكن ان أعرف حول العالم بشكل معقول ومتحرر من الشك.

الميتافيزيقا يمكن إعتبارها علما، لكنها تختلف جذريا عن أي علم حديث. نحن نستطيع رؤية الجواب لو نسأل أنفسنا عن طبيعة المعرفة العلمية. هل هي حقا معرفة؟ لو قمنا بتحليل مفصل وعلمي لأي ظاهرة معينة، كالصوت مثلا، والذي توضحه الفيزياء كإهتزاز في جزيئات الهواء. كيف ننتقل من ذلك التوضيح الى تجربة الصوت بذاتها؟ معظم ما يعطينا اياه العلم هو فقط وصف دقيق اكثر تفصيلا، لكن كل الظواهر تبدو غامضة كما لو كانت تنتمي للعصر البرونزي. في الظاهر، هدف العلم هو صياغة نظريات بطريقة اقتصادية. هذا يعني ان نصف اكبر ما يمكن من الظواهر بأقل مقدار ممكن من المبادئ.

الطريقة الاقتصادية تشبه مبدأ (اوكهام ريزر) القائل ان أبسط توضيح هو الاكثر احتمالا. متى تكون النظرية العلمية صحيحة؟ او ما هي معايير الحقيقة العلمية؟ الجواب هو ان النظرية تكون صحيحة عندما تمكّننا من عمل تنبؤات كمية دقيقة حول العالم. من الواضح ان كوننا قادرين على عمل تنبؤات كمية يعطينا قوة معينة على العالم. نحن نرى في العلم هناك مساواة بين الحقيقة والقوة، او ان الحقيقة هي قوة. النظرية العلمية يمكن النظر اليها كإنموذج للعالم يعطينا امكانية لعمل تنبؤات عنه، وليس من الضروري ان يمثل الإنموذج الوجودات القائمة.

يبدو ان اهتمام العلم يتركز على خلق مزيد من السيطرة او القوة على العالم بدلا من المعرفة عنه. لذا لو اردنا امتلاك معرفة حول العالم اين يجب ان ننظر؟ الجواب ربما نجده في الميتافيزيقا. تاريخيا كانت الميتافيزيقا قصد بها توفير اساس لكل العلوم، لكن هدفها الرئيسي هو ان تعطي معرفة حقيقية. بالمعرفة الحقيقية نقصد تقرير ما موجود، ما طبيعته، وجواب لسؤال ماهي الحقيقة؟

الميتافيزيقا تختلف جذريا عن العلم الحديث لكن في اصلها تأتي من نفس المصدر. في بداياتهما الفكر الميتافيزيقي والعلمي لم يكونا مختلفين، وكلاهما انبثقا من الرغبة في توضيح طبيعة العالم وفق مبدأ اساسي او مجموعة مفاهيم اعتُبرت اساسية. هذا كان احد الاهداف للفلاسفة الاوائل والذين ايضا كانوا اول المفكرين العلميين. هم سعوا لتوضيح العالم بطريقة غير اسطورية، ليس كخلق للالهة المجسمة وانما وفق المبدأ الاول او عنصر أساسي.

كان من الشائع ان طاليس (624-546 ق.م) هو اول فيلسوف في الفكر الغربي (وهو اول ميتافيزيقي وعلمي لأن هذه الحقول لم تكن منفصلة عن الفلسفة). هو قال ان المبدأ الأساسي لكل شيء هو الماء، او ان كل الأشياء في النهاية تُصنع من الماء. هذا التأكيد الذي بدا لأول وهلة غير واقعي يحتوي على فكرة هامة وهي، ان التعددية في الأشياء هي ظاهرية فقط وان هناك وحدة في كل شيء. في نظرية طاليس للماء كمبدأ أساسي نجد في شكل جنيني فكرتين اساسيتين في تاريخ العلوم والميتافيزيقا: واحدة عن الاختلاف بين ما يبدو وما هو عليه الشيء، والاخرى توضيح العالم على اساس الجوهر وخصائصه. هذه الفكرة في الجوهر كشيء لا يتغير، والذي هو الماء بالنسبة لطاليس، هي شائعة لدى جميع المفكرين ما قبل سقراط. هل لدى مفكري ما قبل سقراط سنجد بداية جميع الأفكار الفلسفية اللاحقة، وايضا الاسس والافتراضات المسبقة للعلم الحديث؟.

مفهوم الطاقة في الفيزياء الحديثة يبدو صدى لهذه الفكرة الاساسية للجوهر. يمكننا القول تقريبا ان كل مفاهيم العلوم الاساسية والميتافيزيقية هي بطريقة ما تتجسد في وسيط جنيني في التفكير الماقبل سقراط. نحن نجد ليس فقط بداية المفاهيم الميتافيزيقية وانما ايضا بداية الطريقة الميتافيزيقية والعلمية. حرفيا، كلمة طريقة تعني الذهاب الى ما بعد، او الطريق الذي يأخذنا لجهتنا المقصودة. نحن نستطيع ان نسأل ما الجهة المقصودة للفكر الميتافيزيقي، او ما هو هدف الدراسة؟ انها لا يمكن ان تكون شيء او صنف من الأشياء لأنها في تلك الحالة ستقع تحت حقل دراسة احد العلوم، وطريقتها ستكون الطريقة العلمية او التجريبية.

اذا لم يكن موضوع دراسة الميتافيزيقا شيئا او صنفا من اشياء، فيجب ان يكون ما هو مشترك والذي هو حقيقة وجود تلك الاشياء. الوجود اذاً هو موضوع الميتافيزيقا ولكن ما هي الطريقة التي تأخذنا للاعتقاد بالوجود؟ هذا السؤال حاول المفكر بارمنديس ما قبل سقراط (في القرن الخامس قبل الميلاد) الاجابة عليه في قصيدته الفلسفية حول الطبيعة التي وصف بها طريقتين او مسارين للتحقيق، واحدة طريقة الرأي او المظهر وهي الأكثر شيوعا وحيث تأخذنا الاحاسيس. اما الطريقة الاخرى هي طريقة الحقيقة، حيث نستطيع فقط الذهاب بوسائل استعمال العقل او المنطق.

هو يقسم طريقة الحقيقة الى اثنين، واحدة ممكنة: ما هو الموجود، والثانية غير ممكنة: ما هو غير الموجود. بارمنديس يرى الاحاسيس تعطينا فقط معرفة ظاهرة او مضللة. في طريقة الحقيقة هو يستنتج كل شيء من مبدأ تيتولوجي: الوجود ما هو كائن اما اللاوجود فهو ما ليس بكائن. في هذه القصيدة يعبّر بارمنديس في اول عبارة بان “الوجود هو ما هو كائن” اما “اللاوجود فليس كذلك”. في نفس الوقت هو يستخدم طريقة في التفكير يمكن تسميتها بـ العقلانية الأصلية، فيها يبدأ من مبادئ بديهية ومن خلال عملية منطقية يستنتج عدد من الافتراضات الميتافيزيقية يعبّر فيها بان ما موجود هو ضروري ومتفرد وبدون بداية وبلازمن وثابت لايتغير.

تفكير بارمنديس كان له تأثير عميق في تطور الميتافيزيقا عبر ادخاله سؤال الوجود والذي يمكن النظر اليه بثلاث طرق: واحدة كحركة ديالكتيكية تعبر عما يبدو المضاد لهرقليطس، اذا كان هرقليطس يقول بان كل شيء في تدفق مستمر، بارمنديس قال ان التغيير هو في الظاهر فقط، وان ما يوجد هو ثابت. الطريقة الثانية هي النية في تحذيرنا من الطبيعة الوهمية للمعرفة التي تعطيها الحواس، وان المعرفة الحقيقية هي فقط التي نحصل عليها باستخدام عقلنا مبتدئين من مبادئ بديهية. الطريقة الثالثة في تفكير بارمنديس هي انكار شيء ما واضح كالحركة، هو يحذرنا من الاشكال الاخرى للوهم مثل وهم العقل. هذه تبدأ من مقدمات صحيحة في الظاهر، ومن خلال العقل نصل الى استنتاجات زائفة بشكل واضح.

فلسفة بارمنديس هي نقطة البدء في سؤال الوجود وان جميع الميتافيزيقا اللاحقة هي تاريخ لهذا السؤال. بارمنديس يستخدم ايضا في التفكير الميتافيزيقي مفهوم يمكن تسميته بالعالمين الاثنين، العالم المفاهيمي والذي يُدرك فقط بالعقل والمنطق، والعالم المحسوس والذي يُدرك بالحواس. ان طريقة بارمنديس الثنائية في فهم الواقع اثّرت على افلاطون ونظريته بوجود عالمين، العالم المثالي وهو عالم الحقيقة، والعالم المحسوس وهو عالم الظلال.

في ميتافيزيقا افلاطون، وجود الاشياء هو فكرة الأشكال، هذا يعني ان وجود الموجودات هو شكلها. يرى افلاطون ان العلم المثالي والنموذج للفلسفة هو الهندسة او علم الاشكال. الهندسة هي العلم الذي له قوة ظاهرة يبدأ فيها من فرضيات هندسية بديهية واضحة وبسيطة، تسمى مسلمات، جميع الفرضيات الاخرى تُستنتج منطقيا.

ان محاولة جعل الميتافيزيقا علما له صلابة وطريقة الهندسة كان طموح بعض الفلاسفة مثل ديكارت الذي كان هو ذاته هندسيا ورياضيا. اتخاذ الهندسة كنموذج للميتافيزيقا سيكون مساويا لإيجاد مسلمات ميتافيزيقية اساسية واضحة، ثم الاستنتاج منها منطقيا كل الافتراضات الميتافيزيقية الاخرى.

هذا ما حاول ديكارت عمله في (حديث عن الطريقة)، حيث صاغ مسلمته الميتافيزيقية “انا افكر اذاً انا موجود” وهي الفرضية التي يستحيل معها الشك. فرضية ان شيء ما موجود والذي هو مؤكد هي فكرة ديكارت بان الميتافيزيقا يجب ان تكون علم استنتاجي يبدأ من مبادئ قبلية واضحة. المبادئ القبلية الصالحة هي المبادئ التي لا نحصل عليها من التجربة. الميتافيزيقا لا يمكن ان تكون فقط علم تجريبي لأننا من خلال التجربة نحصل فقط على معرفة عرضة للخطأ والتي لا ترقى الى مرتبة الصلاحية العالمية.

ربما احدى أهم الافتراضات الواضحة والاساسية التي نضعها عن العالم هي ان شيء ما موجود. حالما نعرف ان شيء ما موجود، فان الاهداف الرئيسية للميتافيزيقا هي ان تقرر طبيعته. مع فلسفة افلاطون التي فيها العالم الحقيقي هو العالم المفاهيمي او عالم الافكار، يمكن القول ان ذلك كان بداية النقاش الذي استمر الى يومنا هذا.

نحن نعرف ان العلم الحديث مثل الفيزياء يؤسس كل شيء على مفاهيم مثل المكان والزمان. احدى الاسئلة الميتافيزيقية الرئيسية هي معرفة ما اذا كان الزمان والمكان لهما وجود بذاتهما ام يوجدان فقط في اذهاننا، حيث يكون الوجود عندئذ فقط طريقة لأذهاننا لتنظيم وإعطاء تماسك للمعلومات الحسية. اذا كان المكان والزمان كينونتان غير موجودتان، فان احدى النتائج ستكون ان جميع العلوم تُختزل الى مجرد نموذج للواقع.

الميتافيزيقا على عكس العلوم تحتاج للكفاح لأجل وجودها لأن هناك بعض الاتجاهات الفلسفية مثل الوضعية المنطقية تنكر اي معنى للفرضيات الميتافيزيقية. بالنسبة للوضعية المنطقية، فقط الفرضيات التي تضع تنبؤات عن العالم يكون لها معنى. السؤال هو، هل ان الفرضيات بذاتها تعمل بعض التنبؤات عن العالم.

حتى عندما تُنكر امكاناتها، تبقى الميتافيزيقا هي الحقل الوحيد الذي يستطيع إعطاء رؤية موحدة حول العالم ككل. في زمن الوفرة المفرطة للمعلومات، والنزعة المتزايدة نحو التخصص، اذا كانت الميتافيزيقا ليس لديها اجوبة فهي على الاقل توفر طريقة للتفكير الذاتي النقدي حول ما نستطيع معرفته، ماذا نعرف، وما هي الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى