مقالاتسلايدر

الحسين الشهادة الناطقة والكوثر المهدور

الإباء / متابعة …..

حسينٌ شمعةٌ تلتفُ حولها الفراشات الباحثة عن النور، ورمحٌ طويلٌ بطول التاريخ كله تخشاه خفافيشُ الليل وحكامُ الجور.

كربلاء من مشاعل النور في طريق التحرير من ظلمات الجهل والظلم والتقاعس والتخاذل والخوف من النبس بكلمة الحق في وجوه المعربدين والمستكبرين والمستبدين.

كربلاء شهادة إدانة لكل أرض لم تتطهر بعد بدم الشهداء، وموعد لانتفاضة كل الشرفاء والأحرار ضد الفساد والمفسدين، والظلم والظالمين، والطغاة والمتجبرين في الأرض.

عاشوراء ليست ذكرى عابرة بل هي مستقبلٌ مشرقٌ، وأي شعب يستلهم قوته من روح التصدي والتحدي وبسالة المقاومة والمناصرة وشجاعة الجهاد والفداء لهو شعبٌ مكتوبٌ على جبينه الانتصار، وما نراه اليوم في اليمن من صمود واستبسال في وجه يزيدية العصر خيرُ شاهد.

عاشوراء يوم انتصار الدم على السيف، لن تكون غير ذكرى ولادتها من نطفة الدم.

لا يمر عام على عشاق الحرية إلا ويتجدد الحسين عليه السلام في صورة مشعل نورٍ يستضيئ به المظلومين والمضطهدين، وشعلة من نار تحرق جفون الظلمة، حتى كأن كل يومٍ عاشوراء، وكل أرضٍ كربلاء، وكل ثائرٍ من أجل الله زينب بنت علي، وكل شاب يخوض الجهاد القاسم بن الحسن ووهب بن عبدالله بن عُمير الكلبي، وكل شيخٍ طاعن في السن يؤيد المؤمنين حبيب بن مظاهر الأسدي، وكل قاضٍ يغطي على جرائم الحاكمين شُريح، وكل مأمورٍ ينفذ أوامر الظالمين شمر بن ذي الجوشن وعمر بن سعد بن أبي وقاص.

كربلاء مدرسة ترفدنا بالكثير من الكوادر الحسينية المؤهلة، رُهبانا في الليل، وفُرساناً في النهار، متنمرين في ذات الله، لا يخافون فيه لومة لائم.

لنعد إلى عاشوراء الطف نتتلمذ في مدرستها، ونتعلم منها كيف نموت، فنعرف بعد ذلك كيف نعيش، لأن من لا يختار طريق موته، لا يعرف طريق حياته.

قام الحسين بن علي عليهما السلام لرفع لواء معركة الإسلام ضد التزييف والتحريف، مواجهاً وضعاً استثنائياً في أمة الإسلام.

قام سلام الله عليه بعد أن انقلب كل شيء رأساً على عقب، فإذا بالمنابر قد تحولت من مكان للإرشاد والهداية إلى وسائل للسب والشتم واللعن.

وإذا بالسيوف التي شهرها الإسلام في وجه الكفر، قد انقلبت لمواجهة أهل بيت النبوة.

وإذا بالزكاة التي هي من أجل تطهير النفوس وتزكيتها، تُصرف في شراء الضمائر.

وإذا بحكامٍ أخذوا بيعتهم بالإكراه والسيف والمال، يحكمون باسم رسول الله، وينزون على منبره.

وإذا بالأحكام الشرعية قد حُوِّرت وبُدِّلت، حسب أهواء الحكام الظلمة.

وإذا بالآمِّر بالمعروف قد سُجن، وشُريد، وقُتل.

وإذا بالآمِّر بالمنكر قد أُحسِنَ إليه وشُكِرَ ونال العطايا والهدايا ومُنح الإقطاعات الكثيرة من أموال بيت مال المسلمين بدون وجه حق، إلا أنه أيّد الظلمة، وسار تحت لوائهم، ورفع شعارهم، وتدثر بدثار.

من هنا اكتسبت ثورة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام أهميتها في التاريخ الإسلامي، وكان الانتصار للقيم والمبادئ والمحتوى الديني الراسخ، لماذا؟.

لأنه سلام الله عليه تجرد لله، وخرج في سبيل الله، وتنازل عن كل شيء لنيل مراضي الله، وفي سبيل هذه الرسالة النبوية الخاتمة لقافلة الرسالات السماوية، الهادية للبشرية، ولأنه امتداد للخط النبوي كان على عاتقه واجب الدفاع عن رسالة الإسلام، فقاتل من أجلها، ونال الشهادة في الأخير، ليلحق بالركب الطاهر من قرابين العشق الإلهي، وفي هذا تأكيد جلي أن الإسلام محمدي الوجود، حسيني البقاء.

الحسين عليه السلام كجسد استشهد قبل 1381 سنة، لكن كقضية ومبدأ ورسالة موجودٌ مخلّد، وثورته هي ثورة الإنسان الباحث عن النور والحرية والعدالة، وكلماته شاهدة على ذلك: “أيها الناس إني سمعت جدي رسول الله يقول: من رأى منكُم سُلطاناً جائِراً مُستحلاً لحُرم الله، ناكثاً بعَهدِه، وفي رواية بيعته، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يغِرْ، وفي رواية فلم يُغيّر ما عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه.

وقد عَلمتُم أنَّ هؤلاء القومَ -ويشيرُ إلى بني أميّة وأتباعِهم- قد لَزِموا طاعةَ الشيطانِ وتَولَوا عن طاعةِ الرحمنِ، وأظهرُوا الفسادَ وعطلّوا الحدودَ واستأثَروا بالفيء، وأحَلّوا حرامَ اللَّهِ وحَرَّموا حلالَهُ، واتخذوا مال الله دِولا، وعباده خِولا، وإنّي أحقُّ بهذا الأمر، وفي رواية وأنا أحق من غيّر”.

لهذا خرج الحسين سلام الله عليه، ومن أجل هذا ثار، وضحّى، وفي سبيل الحق بذل نفسه رخيصة من أجلنا، ومن أجل إسلامنا، فعلى نهج الحسين فالنسر يا عشاق الحرية والحق.

من هو الحسين بن علي؟

جده لأمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجده لأبيه شيخ البطحاء أبو طالب، وجدته لأمه خديجة بنت خويلد، وجدته لأبيه فاطمة بنت أسد، ووالد أمير المؤمنين ووصي خاتم الأنبياء والمرسلين علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة الزهراء، وأخوه لأمه وأبيه الحسن السبط، وأخواته لأمه وأبيه عقيلة بني هاشم زينب الكبرى وأم كلثوم.

مولده في المدينة المنورة في 5 شعبان 4 هـ، ولما ولد أتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاستبشر به، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وحنكه بريقه، وفي اليوم السابع، سماه حُسِيناً، وعقّ عنه بكبشٍ، وأمر أمه أن تحلق رأسه، وتتصدق بوزن شعره فضة.

كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير، واسع الجبين، كث اللحية، واسع الصدر.

نشأ في ظل جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان يتولى تربيته ورعايته، ولازم والده أمير المؤمنين علي، وحضر مدرسته الكبرى ما يناهز ربع قرن، واشترك مع أبيه في حروب الجمل وصفين والنهروان.

وله من الأولاد: علي السجاد وهو الناجي الوحيد من مجزرة كربلاء، وعلي الأكبر –استشهد في كربلاء– وجعفر وعبدالله، ومن البنات: سُكينة وفاطمة.

بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام في رمضان 40 هـ، بايع شقيقه الأكبر الإمام الحسن، وعاش بعده 20 سنة كان فيها الإمام المفترض الطاعة، على رأي طائفة عظيمة من المسلمين، وسبط الرسول وريحانته، وثاني الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الكتاب والعترة”، وسيد شباب أهل الجنة بإجماع المسلمين.

وروى عبدالله بن عباس أن النبي خرج مسافراً من المدينة، فلما كان بحرة وقف واسترجع -أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون– ثم مر ثم وقف واسترجع أكثر من الأولى وبكى وقال: “هذا جبريل يخبرني أنها أرض كرب وبلاء، يقتل فيها الحسين سخيلتي وفرختي، وأتاني منها بتربة حمراء”، ثم دفعها إلى علي عليه السلام وقال: ” إذا غلت وسالت دماً عبيطاً فقط قُتل الحسين”، ثم قال ومد يده: “يزيد لا بارك الله في يزيد، كأني أنظر إلى مصرعه ومدفنه”،.

قال: ودفع علي عليه السلام التربة إلى أم سلمة، فشدتها في طرف ثوبها.

فلما قُتل الحسين إذا بها تسيل دماً عبيطاً.

فقالت أم سلمة: اليوم أفشي سر رسول الله.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “يقتل ابني الحسين بظهر الكوفة، الويل لقاتله وخاذله ومن ترك نصرته”

الخروج إلى كربلاء:

خرج من المدينة بأهله وأصحابه متوجهاً إلى مكة، ممتنعاً عن بيعة يزيد، في ليلة الأحد ليومين بقيت من شهر رجب 60 هـ، وهو يتلو قوله سبحانه: “فخرج منها خائفاً يترقب، قال رب نجني من القوم الظالمين”، القصص 21.

ودخل مكة في 3 شعبان 60 هـ، ووافته كتب أهل الكوفة ووفودهم في البيعة والطاعة، حتى اجتمع لديه 12 ألف كتاب، وقال في الروضة: عن أبي العباس الحسني: وردَّ على الحسين عليه السلام زهاء 800 كتاب من أهل العراق، ببيعة 24 ألفاً، فوجه إليهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكتب إليهم معه، وأعلمهم أنه على إثر كتابه، فلما قدم مسلم الكوفة اجتمعوا إليه فبايعوه وعاهدوه وعاقدوه وأعطوه المواثيق على النصرة والمشايعة والوفاء، ثم ما لبثوا أن نكثوا وقتلوا مسلماً.

وبلغ الإمام الحسين وهو بمكة أن يزيد بن معاوية أرسل إليه من يغتاله ولو كان متعلقا بأستار الكعبة، فقطع مناسك الحج وخرج من مكة في 8 ذي الحجة 60 هـ، بعد أن خطب فيها معلناً ثورته.

وفي اختياره سلام الله عليه يوم التروية لمغادرة مكة إلى الكوفة وقطع مناسك الحج، رسالة واضحة للمسلمين في كل زمان ومكان مفادها في غاية الوضوح والتبيان:

“أيّ قِيمَةٍ لطوافٍ حولَ بيت الله ما دام الناس يطوفون حول قصور الطغاة والظالمين، وأيَ قيمة لتقبيل الحجر الأسود مادام الناس يقبِّلون الأيدي الملوثة بالجرائم، وأيّ قيمة لركوعٍ وسجودٍ عند مقام إبراهيم مادام الناس يركعون ويسجدون عند أقدام السلاطين، وأيّ قيمةٍ لسعيٍ وحركةٍ بين الصفا والمروة مادام الناس يعيشون الخنوع والركود، والجمود والاستسلام، والجور والضعف، وأيّ قيمةٍ لتلبيةٍ إذا كان الناس مأسورين لنداءات الطواغيت والمستكبرين، وأيّ قيمة لذكرٍ وتلاوةٍ وعبادةٍ إذا كان الناس يُمجِّدون ويعظِّمون ويؤَلِّهون الجبابرة والفراعنة”.

ولما عزم الحسين عليه السلام على المسير من مكة جاءه ابن عباس ونهاه عن ذلك، وقال: يا ابن عم، إن أهل الكوفة قوم غدر قتلوا أباك، وخذلوا أخاك، وطعنوه وسلبوه وأسلموه إلى عدوه، فأبى الحسين عليه السلام وعزم على المسير.

فقال ابن عباس: إن كرهت المقام بمكة فسر إلى اليمن فإن بها عزلة، ولنا بها أنصار، وبها قلاع وشعاب، وأكتب إلى أهل الكوفة، فإن أخرجوا أميرهم وسلموها إلى نائبك، فسر إليهم، فإنك إذا سرت إليهم على هذه الحالة لم أمن عليك منهم، فإن خالفتني فاترك أولادك وأهلك هاهنا، فو الله إني خائف عليك فلم يساعده.

وعن ابن عباس قال: إستأذنني الحسين في الخروج فقلت: لولا أن يزري ذلك بي أو بك لشبكت بيدي في رأسك، وكان الذي ردَّ عليَّ أن قال: لأن أقتل بمكان كذا أو كذا أحبَّ إليَّ من أن يستحل بي حُرم الله عز وجل ورسوله.

قال فذلك الذي سلا بنفسي عنه، ذكره في “مجمع الزوائد” قال: رواه الطبراني.

ولما أراد سلام الله عليه الخروج إلى العراق خطب أصحابه؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “إن هذه الدنيا قد تنكرت وأدبر معروفها فلم يبق إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى، ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا ينهى عنه، ليرغب المرء في لقاء ربه فإني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا شقاوة”.

فقام إليه زهير بن القين العجلي، فقال: قد سمعت مقالتك هديت، ولو كانت الدنيا باقية وكنا مخلدين فيها، وكان الخروج منها مواساتك ونصرتك لاخترنا الخروج منها معك على الإقامة فيها، فجزاه الحسين بن علي عليهما السلام خيراً، ثم قال: سأمضي وما بالموت عار على الفتى .. إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما

وواسى الرجال الصالحين بنفسه .. وفارق مثبوراً وجاهد مجرما

فإن عشت لم أندم وإن مت لم أُلم .. كفى بك داءاً أن تعيش وترغما

دخل الإمام الحسين العراق في طريقه إلى الكوفة، ولازمه مبعوث من زياد، هو الحر بن يزيد الرياحي –في وسط المعركة راجع الحر نفسه وانضم إلى الحسين واستشهد معه- حتى أورده كربلاء في 2 محرم 61 هـ، وما أن حط رحاله حتى أخذت جيوش بن زياد تتلاحق، حتى بلغت 30 ألفاً، وقيل 100 ألف.

وعندما وصل الإمام أرض كربلاء، قال: “في أي موضع نحن؟”

قالوا: بكربلاء.

قال: “كرب والله وبلاء، هاهنا مناخ ركابنا ومهراق دمائنا”.

عبّأ الإمام الحسين بن علي عليه السلام في صبيحة يوم الجمعة العاشر من محرم أصحابه، وقد كانوا 32 فارساً و40 راجلاً، فجعل زُهير بن القين على ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر على ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس أخاه، وجعل البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان وراء البيوت أن يترك خندقاً قد حُفر هناك.

وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجّاج، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن (شرحبيل بن عمرو العامري)، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي الرياحي، وأعطى الراية دريداً مولاه.

وفي هذا الوقت قام الحسين يعرّف نفسه للحاضرين ويقيم عليهم الحجة؛ فقال بأعلى صوته: هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم، وابن وصيه، وابن عمه، وأول المؤمنين المصدّقين لرسول الله بما جاء به من عند ربه؟!… أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي: “هذان سيِّدا شباب أهل الجنة”؟، ..، فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أنَّي ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍ غيري فيكم ولا في غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة.

وعن الإمام زيد بن علي عن أبيه عليهما السلام، أن الحسين بن علي عليهما السلام خطب أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: “أيها الناس، خُط الموت على بني آدم كخط القلادة على جيد الفتاة، ما أولعني بالشوق إلى أسلافي، اشتياق يعقوب عليه السلام إلى يوسف وأخيه، وإن لي مصرع أنا لاقيه كأني أنظر إلى أوصالي يقطعها وحوش الفلوات غبرا وعفراص، قد ملأت مني أكراشها، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ليوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله حرمته وعترته، ولن تفارقه أعضاؤه، وهي مجموعة في حضيرة القدس تقر بهم عينه وينجز لهم عدته، من كان فينا باذل مهجته فليرحل، فإني راحل غدا إن شاء الله”، ثم نهض إلى عدوه.

وقام الحسين عليه السلام، في مقابلة جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: “تباً لكم أيتها الجماعة وترحا، أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين، فأصرخناكم موجفين مستعدين، سللتم علينا سيفا في رقابنا، ..، فهلا لكم الويلات تجهمتمونا والسيف لم يشهر والجأش طامن، والرأي لم يستخف، ولكن أسرعتم إلينا كطيرة الذباب، وتداعيتم تداعي الفراش، فقُبحاً لكم فإنما أنتم من طواغيت الأمة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئي السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيدي عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين وصراخ أئمة المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وأنتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون، وإيانا تحاربون، ..، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، وأنتم والله، هم، ألا إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين القتلة والذلة وهيهات منا أخذ الدنية، أبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون، وخدود طابت، وحجور طهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية لا تؤثر مصارع اللئام على مصارع الكرام، ألا قد أعذرت وأنذرت ألا إني زاحف بهذه الأسرة على قتلة العتاد وخذلة الأصحاب .

وأخبر الحسين صلوات الله عليه من حضر قتله من فراعنة الأمة بما عهد إليه الوصي في خطبة طويلة، وأنبأهم بما يلاقون بعد قتله من أصناف العذاب، وأن الله سينتقم منهم، بتسليط غلام ثقيف، وغيره من الجبابرة .

ولم يبق أحد ممن حضر قتل الحسين عليه السلام إلا وعجل الله له العذاب في الدنيا، فمنهم من أحرق بالنار، ومنهم من أخذه الجذام، ومنهم من استهواه الجنون، ولم يخرج أحد منهم من الدنيا إلا وقد شهر الله عقوبته على رؤوس الخلائق.

وروي في صفة قتل الحسين عليه السلام أن حصين بن تميم رماه بسهم فوقع في شقه وجاء وقت صلاة الظهر فصلى بأصحابه صلاة الخوف، فتكالبوا عليهم فتشدد الحسين ولبس سراويلاً ضيقاً فأعجلوه، ثم ضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فسقط، وشاركه شمر بن ذي الجوشن، وكان أبرص، وقتله سنان بن أنس بن عمرو النخعي، وحز رأسه خولي بن يزيد الحميري الأصبحي، ومكث رأس الحسين في خزائن بني أمية إلى عهد سليمان بن عبدالملك.

وقتل من آل أبي طالب ستة عشر، ستة من إخوته، وهم: جعفر، والعباس، وعثمان، وأبو بكر محمد الأصغر، وعبيدالله، وعبد الله، ثم إبنا الحسين علي وعبد الله، ومن أولاد أخيه الحسن: عبد الله، وأبو بكر، والقاسم، ومن أولاد عبد الله بن جعفر: عون، ومحمد وعبيدالله، ومسلم بن عقيل قتل بالكوفة، وجعفر بن عقيل، وعبد الرحمن بن عقيل، هذه رواية كتاب(النجم الثاقب في مناقب علي بن أبي طالب)، وفي(مقاتل الطالبيين): 22 طالبياً، سوى من يُختلف فيهم، وقيل: هم 26، وقال السيد أبو طالب: أكثر النقل على أنهم 27، وآخرهم قتلاً الحسين عليه السلام.

وكان استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في يوم الجمعة 10 محرم 61 هـ، وفي رواية يوم السبت، وتذهب العامة إلى استشهاده في يوم الاثنين، والجمعة هو الصحيح كما يرى الإمام يحيى بن الحسين الهاروني في الإفادة، وله من العمر 54 سنة، وكانت مدة ظهوره وانتصابه للأمر شهراً واحداً ويومين، ودفن جسده الطاهر في الموضع المعروف الذي يزار فيه من أرض نينوى بكربلاء، ورأسه مختلف في مشهده فمنهم من قال: إنه رُد إلى المدينة مع السبايا من نساء النبوة، ثم رد إلى جسده بكربلاء، ومنهم من قال إنه بدمشق، وقيل: إنه بمسجد الرقة، وقيل: إن خلفاء مصر نقلوه إلى عسقلان، ثم نقلوه إلى القاهرة، وله مشهد عظيم، والصحيح كما يرى العلامة الحجة مجد الدين المؤيدي أنه بمقبرة بالبقيع من مدينة المصطفى.

ووجد في جسده سلام الله عليه 33 طعنة، و44 ضربة، ووجد في جبة دكناء كانت عليه، مائة وبضعة عشر خُرقاً ما بين طعنة وضربة ورمية.

وبعد استشهاده سلام الله عليه أظهر الله آيات، كحُمرة السماء والشجرة، ونبع الدم، والظلمة، ولم يشِكوا في نزول العذاب، كما يذكر أبن عساكر في تاريخه صفحة 241 – 250.

شهداء اليمن في كربلاء

قال المسعودي: وكان عسكر الحسين عليه السلام 45 فارساً و100 راجل، قال: قتل منهم 87 نفساً، ولم يحضر قتال الحسين أحد من أهل الشام بل كلهم من أهل الكوفة وممن كاتبه، وقد وثق الرواة نحو 52 إسما ممن استشهد مع الحسين، منهم 34 شهيداً من اليمن، بواقع 10 شهداء من همدان، و10 من مذحج، و5 من الأنصار، و3 من الأزد، وإثنان من حمير، وواحد من قبائل كندة بجيلة وكلب وطيّء وخزاعة والحضرمي وخثعم، وهم يمثلون ما نسبته 47% من شهداء كربلاء مع الإمام الحسين، وهم على النحو التالي:

1ـ وهب بن عبدالله بن عُمير الكلبي.

2ـ بُرير بن خضير الهمداني.

3ـ عبد الرحمن بن عبدربه الأنصاري .

4ـ سيف بن حارث بن سُريع الجابري الهمداني.

5ـ مالك بن عبدالله بن سُريع الجابري.

6ـ حنظلة بن أسعد الشبامي الهمداني.

7ـ أبو ثُمامة زياد بن عمرو الصائدي الهمداني، وكان من الفرسان والأعلام الشيعية المعروفة وكان المسئول عن جمع المهمات والأسلحة لثورة مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وقد التحق بالإمام الحسين بعد استشهاد مسلم.

8 ـ عابس بن أبي شبيب الشاكري الهمداني، عندما سلم على الإمام الحسين قال: السلام عليك يا أباعبدالله أُشهد الله أني على هديك وهدي أبيك.

9ـ شوذب مولى عابس.

10ـ سُويد بن عمرو أبو المُطاع الخثعمي.

11ـ بشير بن عمرو الحضرمي.

12ـ أبو الشعثاء يزيد بن زياد بن مهاصر الكندي، وكان من الرماة الماهرين في جيش الإمام الحسين، وقتل خمسة رجال من أصحاب عمرو بن سعد، وكان يرتجز ويقول:

يا ربِّ إنّي للحسينِ ناصرُ .. ولابنِ سعدٍ تاركٌ وهاجرُ

13ـ جابر(جياد) بن حارث السلماني المرادي.

14ـ مُجمع بن عبد الله العائذي المذحجي، التحق بالإمام الحسين في الكوفة.

15ـ عمرو بن قرظة بن كعب الأنصاري، وكان أخوه من أصحاب عمر بن سعد، فنادى يا حسين يا كذاب يا ابن الكذاب، أضللت أخي وغررته حتى قتلته.

فقال الحسين: “إن الله لم يضل أخاك ولكنه هداه وأضلك”.

فقال: “قتلني الله إن لم أقتلك!”، وحمل على الحسين فاعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه.

16ـ حجاج بن مسروق الجعفي.

17ـ زيد بن معقل الجعفي.

18ـ عمرو بن مطالع الجعفي.

19ـ سوَّار بن أبي خمير الجابري الهمداني.

20ـ نافع بن هلال الجملي المرادي، كان من الأبطال والرماة، وكان يرتجز ويقول:

أنا الجملي أني .. على دين عليّ

فقتل 12 رجلاً من الكوفيين، وأخذ أسيراً فقتله شمر.

21ـ عمرو بن خالد الأزدي.

22ـ خالد بن عمرو بن خالد الأزدي.

23ـ عُمير بن عبدالله المذحجي.

24ـ عبد الرحمن بن عبدالله اليزني، كان يرتجز فيقول:

أنا ابن عبدالله من آل يزن .. وإني على دين حسين وحسن

25ـ زُهير بن القَيْن البجلي، كان بمكة، وكان عثمانياً فانصرف من مكة متعجلاً، فضمّهُ الطريق وحسيناً فصار إليه وشارك في كربلاء واستشهد فيها.

26ـ عمرو بن جُنادة بن حارث الأنصاري.

27ـ جُنادة بن حارث الأنصاري.

28ـ أنيس بن معقل الأصبحي الحميري.

29ـ عبدالرحمن بن عبدالله بن كدر الأرحبي الهمداني.

30ـ حلاس بن عمرو الراسبي الأزدي.

31ـ سوَّار بن منعم بن حابس اليهمي الهمداني

32ـ عامر بن حسّان بن شُريح الطائي.

33ـ نُعيم بن عجلان الأنصاري.

34ـ زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي.

السلام على الحسين وأولاد الحسين وأصحاب الحسين، السلام عليك يا أبا عبدالله يوم وُلدت فكان ميلادك بذرة لصدق العقيدة، ويوم استشهدت فكان استشهادك بعثاً لتلك النفوس الميتة، لتحلق في سماء العز والفضيلة، ويوم تُبعثُ حياً ليجزيك ربك جزاء تضحيتك العظيمة، والتي جحدتها الأمة، ولم تعرف حقها، فجئتها غريباً، وعشت معها غريباً، ورحلت عنها غريباً، فطوبى للغرباء.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى