مقالات

البنك المركزي ينصح المواطنين : لا تكتنزوا الأموال

الإباء / متابعة …..

اكتشف علماء الآثار ، إن العراقيين كانوا يكتنزون الذهب والمعادن النفيسة والنقود في مخابئ يختارها الإنسان القديم في حفر وحاويات او في القبور لحمايتها من السرقة وغيرها من الاعتداءات ، وفي العقود اللاحقة التي تم فيها تحويل العملات إلى نقود معدنية او ورقية تحول الاكتناز إلى ( البطل ) او في غيرها من وسائل الإخفاء ، واعتقد الكثير إن التطور الذي شهدته الأنظمة المصرفية في العالم ستغير عادات الاحتفاظ بالأموال لتتحول إلى أرصدة في المصارف او البنوك ،  ولكن هذه الحالة لم تكن سائدة في كل الأحوال لان العمل المصرفي في العراق كان ولا يزال يعاني من القصور والتقصير وضعف ثقة الجمهور ، بدليل إن نسبة متواضعة من مجموع الكتلة النقدية في البلاد موجودة في المصارف وبقيتها خارج التداول كونها مدخرة بالأساليب التي يبتكرها المواطنين ، ويتم الاحتفاظ بها بطرق متعددة منها تحويلها إلى الذهب او العقارات او الدولار او النقد ولجوء البعض لتحويلها إلى حسابات واستثمارات خارج البلاد ، ومن الناحية العملية  فان المواطن لا يميل للاحتفاظ بأمواله في المصارف لقناعات ذاتية  او بسبب تجارب سابقة ، فعندما كانت اغلب المصارف حكومية أصيب المودعين بمجموعة من الصدمات في الأعوام 1991 و2003 عندما تم تقنين المسحوبات ، وبعد أن أضيفت المصارف الأهلية للعمل المصرفي في البلاد عانى البعض من نكول بعض المصارف الأهلية التي لم يحسم موضوعها لحد اليوم من حيث تصفيتها او اتخاذ أي إجراء لإعادة أموال الناس وهذه القضية مرت عليها عدة سنوات ، والمصارف عموما تعاني من مشكلات عديدة بدءا من أبنيتها التي تشهد الازدحامات وتخلو من وسائل الراحة وابسط المستلزمات ومشكلاتها تتعاظم باستمرار لان مهام كثيرة تضاف لها بما لا يتناسب مع حجم التطوير فهي تتولى دفع رواتب الملايين وهي باقية على حالها منذ سنوات ، وعلى سبيل المثال لا يوجد مصرفا يحتوي على مرآب لوقوف سيارات الزبائن الذين يضطرون لقطع مسافات معينة لدخول المصرف وهم يحملون ملايين او مليارات الدنانير للسحب والإيداع ، أما الخدمات المصرفية فإنها تعاني فقدان الجذب بسبب ضيق المساحات وتعقد الإجراءات وبيروقراطية التعامل والإبقاء على التعامل الورقي واليدوي في اغلب المعاملات ، كما إن الحوافز المقدمة للادخار( مثلا ) غير مشجعة لأغلب المدخرين فمصرف الرافدين يقدم فائدة سنوية قدرها 4%على حسابات التوفير ومصرف الرشيد يقدم اقل من ذلك ( 3,5% ) ، وهي فائدة لا تتناسب مع حجم التضخم السنوي الذي تشهده البلاد ، في حين إن الدولة تقترض من الخارج بفائدة 6,75% سنويا بضمانة صندوق النقد الدولي وبفائدة 12%  او أكثر بدون ضمانات الصندوق ، وهناك الكثير من الأسباب والعيوب هي التي تدفع المواطن لعدم ادخار أمواله في المصارف الحكومية والأهلية ، ومن أبرزها عدم وجود ضمانات مؤكدة بإعادة أموال المدخرين بالتوقيت الذي يختاره الساحب مما يعرضهم للعديد من الاحراجات والأخطار من وجهة الكثير .

وما تم عرضه في أعلاه يشكل احد صعوبات تلبية دعوة البنك المركزي العراقي  للمواطنين إلى عدم كنز الأموال في المنازل ، والتعامل مع المصارف وشركات الوساطة المالية أثناء التبادلات النقدية الكبيرة ، فقد حذر من دور الأوراق المالية في نقل الفيروسات والبكتيريا بما فيها كورونا ، وقال بيان للبنك إنه يسعى من خلال هذه التوجيهات إلى الحفاظ على الكتلة النقدية للمواطنين وتجنب حالات السرقة والاحتيال  وترويج العملات النقدية المزيفة ، وشدد البنك على ضرورة التقليل من التبادل التجاري بالعملات الورقية التي أثبتت الدراسات الطبية أنها ناقل فاعل للفيروسات والبكتيريا خصوصا وأن البلد يمر بأزمة انتشار لفيروس كورونا ، وأشار البنك المركزي إلى أنه يتبنى آليات انتشار الشمول المالي في العراق الذي يعزز الثقافة المصرفية والتحول إلى التبادل النقدي بواسطة التعاملات المصرفية ذات التقنيات الحديثة وبكافة أشكالها ، والبعض يسأل هل إن هذه الدعوة جاءت بعد جائحة كورونا او تخوفا من الازمات النقدية التي قد تحصل بسبب لجوء الحكومة للاقتراض الداخلي والخارجي وبعضها من موجودات المصارف بعد موافقة مجلس النواب على قانون الاقتراض الذي هدفه تغطية العجز النقي المعروف للجميع ؟ ، فالعراق يمر بأزمة مالية يقول بعض المختصين إن من سبل علاجها تشجيع المواطنين على وضع أموالهم في البنوك لكي يتم ضخها للأسواق على شكل استثمارات بدلا من ادخارها في المنازل كما إن من فوائدها تقليل المخاطرة عند حصول طلب عالي على مسحوبات المودعين  ، وكما هو معروف فان مثل هذه الدعوات لا تأتي بأية نتائج ايجابية ما لم تقترن بمجموعة من الإجراءات الفاعلة التي تطمأن الجمهور وتسهل عملية الادخار وتعطي الحوافز لاتخاذ هذا الخيار وأبرزها :

. معالجة الخلل في بيروقراطية إجراءات الادخار والسحب في

المصارف الحكومية حيث أنها تعاني من خلل كبير لأنها  تعد من الحلقات الضعيفة سواء بما تتضمنها من إجراءات او بمقدرة بعض الموظفين بممارسة هذا النشاط ، ومعالجة الخلل يجب أن يكون جوهريا وحقيقيا وليس من خلال تغليف الواجهات وصبغ الجدران وتبديل الإنارة ، فمن الواجب ولوج آخر التقنيات الحديثة السائدة في المصارف العالمية لردم الفجوة التقنية التي تتوسع يوما بعد يوم لتخلفنا المصرفي الكبير .

. إلزام المصارف بانجاز عملية الربط الالكتروني للحسابات بين الفروع ، ففي مصرفي الرافدين والرشيد ( مثلا ) لا يجوز السحب او الإيداع إلا من خلال الفرع الذي تم فيه فتح الحساب وليس من خلال أي فرع بما يختصر المسافة والوقت ، كما إن أية عملية للسحب تتطلب تقديم المستمسكات الثبوتية الأصلية ونسخ مصورة منها رغم إن دفتر التوفير يحوي على معلومات كاملة وصورة لصاحب الحساب كما إن المصرف يوثق كل المستمسكات عند فتح الحساب .

.  منح فوائد تشجيعية لحسابات التوفير بما يوازي مستويات فوائد الإقراض السائدة في الأسواق لغرض تحفيز المواطن بإيداع أمواله في المصارف بأقل درجات المخاطرة ، وتنويع المدخرات لتكون بفترات زمنية تقل عن السنة الواحدة كأن تكون لمدة 3- 9 أشهر لترويج ثقافة الادخار ، ويمكن أن تتحمل الجهات المستفيدة من سياسات الادخار جزءا من التكاليف او الخسائر التي تتعرض لها المصارف من سياسة تحفيز الادخار بما لا يثقل سياسات  وتكاليف الإقراض للآخرين .

. التعجيل في إصدار ونفاذ التشريعات المتعلقة بحماية أموال المودعين بشكل لا يعرضهم لمخاطر خسارة أموالهم المودعة كلا او جزءا ، مع مراعاة أن تكون الأموال المخصصة لهذا الغرض كافية لمواجهة كامل الاحتمالات وعدم تحميل المودعين أية أعباء مالية من هذا الإجراء .

. ضرورة قيام البنك المركزي بسرعة حسم أمور المصارف والبنوك الأهلية المتلكئة التي لم توفي بالتزاماتها ووعودها اتجاه المودعين منذ سنوات لإعادة الثقة بالمصارف الخاصة لتوفير قنوات إضافية لاستيعاب مدخرات الأفراد والمنظمات وإشعار المودعين بان البنك المركزي يقف إلى جانبهم وليس حاميا للمصرف المتلكئ ، وان تطلب ذلك تعديل قانون المصارف الذي يتضمن حاليا إجراءات معقدة في التصفية وإشهار الإفلاس .

. العمل على إجراء تغييرات هيكلية في المصارف من حيث الإدارات والأبنية والمساحات وخدمات الزبائن والموارد البشرية من حيث الاختيار والتدريب والتأهيل ، وتحديث أساليب الدعاية والإعلان والتسويق وعدم اعتبار مسألة جذب الادخار تحصيل حاصل لان جذبها يتطلب إتباع الأساليب الحديثة المناسبة في الترويج والإعلان .

ونشير بهذا الخصوص بان بعض العراقيين لديهم مخاوف موروثة عن وضع أموالهم في البنوك بعد انهيار قيمة العملة في التسعينيات، وخروق بعض البنوك الأهلية المتهمة بغسل الأموال وتهريب العملة والاستحواذ على مدخرات أعداد كبيرة من العراقيين قبل أن تغلق أبوابها ، والجمهور ليس ببعيد عن تجارب بعض الدول مثل سوريا ولبنان التي حصلت فيها انهيارات في أسعار الصرف وإشكالات في التعامل مع المصارف ، كما إن الجمهور ليس بمعزل عن الدعوات التي تطلق لتغيير أسعار الصرف كأحد الحلول في معالجة عجز الموازنة بسبب انخفاض أسعار النفط وقلة الصادرات ضمن الاتفاقات الضخمة والتي لا توازي إيراداتها  في تغطية الالتزامات االمتعاظمة للحكومة في الإنفاق على الرواتب وغيرها من المصروفات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى