تقارير

اغتيال الحريري.. استهلكت المحكمة 15 عاما فجاء حكمها بلا لون

الإباء / متابعة 

 

15 عاما مروا على اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الاسبق رفيق الحريري. 15 عاما من الاستهلاك السياسي والمذهبي والطائفي في لبنان. 15 عاما من استخدام ورقة الاغتيال في بازار المزايدات السياسية للقوى التي استفادت من الجريمة طوال عقد ونصف. 15 عاما من استغلال دماء الحريري بعد ان دفن المستفيدون من موته العدالة في 14 شباط فبراير 2005. بعد كل ذلك جاء حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان باهتا بدون لون ولا طعم فاضاع العدالة التي يطالبون فيها واسقط مصداقية لطالما تبجحوا بها.

الحديث في حيثيات حكم المحكمة النهائي يحتاج الى صفحات كثيرة وخبراء في القانون، لكن قراءة بسيطة للحكم تظهر الاتي

= الحكم الذي برأ ثلاثة من المتهمين وادان الرابع هو سليم عياش، اعتمد في اساسه القانوني على ادلة ظرفية غير حسية. بمعنى انه اعتمد على اتصالات قام بها عياش اثناء وقوع جريمة الاغتيال او قبلها. هذا الدليل بكل بساطة يمكن ان يحصل مع الاف الاشخاص اي انه يمكن ان يكون كثيرون اتصلوا بارقام محددة في الفترة هذه وهذا لا يعني انهم متورطون في اغتيال الحريري.

اضافة الى ذلك لم تظهر المحكمة محتوى الاتصالات التي تم اعتراضها وزعم الادعاء ان عياش قام بها. والتسجيلات التي قدمها الادعاء “تبين” ولا تكشف بصراحة ووضوح. بمعنى انها تخضع لتقدير نفسي وسياسي وليس تفسيرا علميا جنائيا (القرار الاتهامي للاشخاص الاربعة يقوم على استنتاج واستدلال منطقيين وهو ما يبعد صفة الدليل القاطع في هذا الاطار)

= المحكمة ومنذ تشكيلها قبل 11 عاما (تشكلت في العام 2009) لم تحقق ولم تنظر في اي احتمالات اخرى قد تكون اكثر واقعية لعملية اغتيال الحريري. فهي لم تنظر في احتمالية تورط كيان الاحتلال الاسرائيلي في الاغتيال ولماذا كانت طائرة المراقبة الاسرائيلية تحلق في الاجواء اللبنانية طوال ايام ما قبل الاغتيال. ولم تنظر المحكمة طالما انها بنت حكمها على قيام المتهمين الاربعة بمراقبة الحريري (على حد زعم الادعاء) لم تنظر في فرضية مراقبة الكيان الاسرائيلي للحريري طوال اشهر والصور موجودة وكشف عنها حزب الله الذي اعترض تسجيلات كاميرات مراقبة خاصة بالطيران الاسرائيلي الذي كان يراقب الحريري.

= المحكمة لم تنظر في فرضية تورط السعودية في الاغتيال خاصة وان المقربين من الحريري وبعض مستشاريه اكدوا ان الاخير كان على تقارب كبير جدا مع حزب الله وتحديدا السيد حسن نصرالله في اخر ايامه ولا يخفي هؤلاء تعهد الحريري للسيد نصرالله بانه اذا اجبر على التوقيع على نزع سلاح المقاومة فسيترك السياسة ولن يوقع. وهذا يعتبر دافعا قويا لان يتم اغتياله من قبل السعوديين على قاعدة ان المحكمة بررت في سياق حكمها ان الحريري يشكل خطرا على سياسات حزب الله وسوريا. بينما الواقع انه كان متعارضا مع المحور الاخر وعلى راسه السعودية.

= لماذا لم تنظر المحكمة ولم تشر في حيثيات حكمها المكون من 2600 صفحة الى دور اللواء “وسام الحسن” مدير شعبة المعلومات. خاصة وان الحسن كان الوحيد الذي يعلم بمكان والطريق الذي سيسلكه موكب الحريري يوم الاغتيال كونه كان مسؤولا عن فريق حمايته؟ لماذا لم يتم التحقيق مع الحسن، ولماذا لم تنظر المحكمة التي وسعت نطاق عملها للنظر في اغتيالات اخرى وقعت بعد اغتيال الحريري ولماذا لم يشمل عملها اغتيال الحسن في العام 2012، خاصة وان وسام الحسن كان يمتلك الكثير من المعلومات والحقائق عن اغتيال الحريري لاسيما لماذا ترك مهمته في حراسة الحريري قبل وقت قصير من الاغتيال بحجة ذهابه الى الجامعة علما انها كانت المرة الاولى التي يترك فيها مهمته لاي سبب كان. و لماذا رقيت رتبته العسكرية بعد الاغتيال وتم تقديم بعض شبكات الجواسيس للاحتلال الاسرائيلي له لينسب اليه انجاز يبعد الشبهة عنه في اغتيال الحريري؟

كل هذا يدفع باتجاه عدد من الاستنتاجات السياسية

= اولا

حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان جاء مسيسا وتائها وضائعا ومرتبكا وهشا، وحاول اللعب على كل الخطوط لدرجة انه لم يعط حكما قانونيا وكان اقرب الى تفسير سياسي مراهق وغير متمرس

= ثانيا

هناك امر في غاية الاهمية هو اقرار المحكمة بانه لا دليل لديها على ان حزب الله او سوريا لهما دور في اغتيال الحريري. وهذا الاقرار ليس بدافع المصداقية، انما بدافع غياب الدليل لان هذا السيناريو غير واقعي في الاصل. ولو كان لدى الادعاء او المحكمة اي اشارة ولو كانت غير حسية وكانت نظرية وخاضعة لتفسيرات سياسية لكانت المحكمة بنت عليها لاتهام حزب الله. وهذا يعني ان المحكمة ومن حيث لا تدري ومن حيث لا تقصد اكدت المؤكد وهو براءة حزب الله في هذه القضية.
ثالثا
اكثر من 700 مليون دولار دفعتها الدولة اللبنانية لتمويل المحكمة وهي في الواقع ثمن قرار لم يقدم ولا يؤخر. و بالتالي يطرح سؤال حول جدوى المحكمة منذ البداية الا اذا كانت وظيفتها اعطاء طابع قانوني لعملية استهداف حزب الله ترافقا مع حملات شرسة يتعرض لها من المحور الاسرائلي العربي او محور الناتو الشرق اوسطي…

اما لماذا اتت ادانة سليم عياش، فالموضوع لا يخرج بدوره من البازار السياسي الذي شهدته قضية اغتيال الحريري طوال 15 عاما. ولن يكون مستغربا الزج بموضوع عياش في محاولة للضغط على حزب الله للحصول على تنازلات هنا او هناك مستقبلا. لكن ما فعلته ادانة عياش هو ازدراء للمحكمة ولعائلة رفيق الحريري ولمقام رئاسة الوزراء وللبنانيين جميعا، وكأن القرار يقول ان هذه الجريمة البشعة التي هزت لبنان واثرت عليه سياسيا طوال سنوات نفذها رجل واحد بدافع شخصي وبامكانيات شخصية. وفي هذا تبرئة لعياش من حيث لم تقصد المحكمة ذلك.

هناك اغنية سياسية ساخرة للفنان زياد الرحباني اسمها “تلفن عياش” اي اتصل عياش. ومن يعرف كلماتها يدرك جيدا انها تجسيد حرفي وعميق لقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والذي صدر على اساس واحد.. هو “تلفن عياش”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى