مقالات

كلمة المفتاح في أي تحول ديمقراطي حقيقي بالعالم العربي: مكافحة الفساد والفصل الصارم بين التجارة والسلطان

الإباء / متابعة ….

ورد في مقال الأمس “دروس من أزمة كورونا : حصنوا الأوطان بالعدل”.. إن المهمة التي تنتظرنا كمواطنين هو ضرورة التحرك باتجاه الخروج من دائرة العبودية المذلة لحكام يحكمون بالهوى، ويدعمون الطالح و يحاربون الصالح، ولسنا في حاجة إلى أمثلة، فأزمة كورونا وما ولدته من مأسي كشفت عن واقع عربي مأزوم إقتصاديا وإجتماعيا وسياسيا، كشفت الأزمة عن إنشطار أوطاننا بالمجمل إلى قلة مهيمنة على كل شيء، وغالبية ساحقة لا تملك أي شيء، و الخطير في الأمر أن هذا التوجه ليس ظرفيا أو طارئا، بل هو النظام الوحيد المهيكل والذي من المفترض أن يستمر للعقود القادمة، فلسنا نرى أن هناك إنفراجا سياسيا أو تراجعا عن الاستبداد و تدمير الوطن والمواطن …”، ومن دون شك فإن البحث خارج هذا الإطار العام هو بحث غير ذي جدوى، لأن أس الأزمة غياب الحكم الصالح، وايهم حينئد شكل هذا الحكم دستوريا هل هو ملكية أم جمهورية، لكن الأساس هو أن يكون حكما رشيدا معبرا عن إرادة الناس و يسعى لتحقيق طموحاتهم ويضمن حقوقهم في العيش بكرامة وحرية …

للأسف هذا الحكم غائب في عالمنا العربي وثورات الربيع العربي التي تم وأدها بعنف ومكر، كانت خطوة صحيحة باتجاه التأسيس للحكم الرشيد الديموقراطي، لكن تم وأد الخطوة ، بل و تدمير الشعوب التي قررت في لحظة ما الانتفاض ضد الظلم والطغيان والاستبداد.. لذلك، فإن المهمة الأساسية هي محاولة إعادة التجربة مجددا ، مع الاستفادة من أخطاء الماضي، خاصة و أن الصورة أصبحت أكثر وضوحا،فحزب المنافقين بالعالم العربي قد كشف عن هويته، و يشمل هذا الحزب العديد من  الشخصيات العامة و الحكام و العلماء و النخب المثقفة التي كانت فيما قبل، تحظى برضى و قبول واسع من عامة الناس، و بنفس القدر ظهر للعيان حزب من الرجال و النساء الذين صدقوا فيما عاهدوا، و نجحوا في الاختبار رغم المحن و المصاعب …

بناء المستقبل يمر من بوابة بناء الحكم الصالح الرشيد و هذه المهمة الكبرى التي تنتظر شعوب المنطقة، لأن وقف نزيف الأمة و الحد من معاناة الشعوب، و حماية وحدة الأوطان، لن يتحقق دون حكم رشيد و دون القطيعة مع رموز الاستبداد و الفساد و الإفساد..

لأن أزمة العالم العربي – بنظرنا- ليست في نذرة الموارد، بل على العكس هناك وفرة في الموارد، لكن للأسف الأمور في العالم العربي لا تسير على ما يرام، فالاستبداد والفساد السياسي و الاقتصادي بلغ مبلغا لا يطاق، و الجمع بين التجارة والسلطة أمر بديهي في هذه البلاد، فلو طبقنا نظام المحاسبة و المساءلة، المعمول به في أغلب البلاد الديمقراطية، لكان حوالي 90 في المائة من مسئولي العالم العربي وراء القضبان أو على أقل تقدير خارج نطاق دوائر السلطة…

فالعالم العربي لا زال يعيش تحت رحمة الفساد السياسي و الاقتصادي، واحتكار السلطة و قمع الحريات المدنية والسياسية، هذا إلى جانب إتباع سياسات عمومية عرجاء لا تخضع لأي منطق عقلاني، فحالة الفقر و انسداد الأفق لدى أغلبية شباب المنطقة ليس نتاج لضعف الموارد كما يقول أصحاب الكراسي و المكاسب، فلو كانت البلاد العربية تعاني فعلا من ضعف الموارد لما اكتشفنا ملايير الدولارات تهرب سنويا إلى خارج حدود العالم العربي…في الوقت الذي تعاني فيه بلدان عربية من اتساع دوائر الفقر و التهميش…فالاختيارات التنموية و السياسية المتبعة في أغلب هذه البلاد لن تقود –حتما- لمستقبل أفضل و على الشعوب أن تدرك هذه الحقيقة حتى تتحرك صوب تغيير وجه السياسات و الاختيارات الفاشلة…

فعلى المستوى الاقتصادي مثلا لا يمكن  أن يتحقق إقلاع اقتصادي دون وجود منافسة حرة و تكافؤ في الفرص وسيادة القانون و استقلال القضاء و الشفافية في تداول المعلومات الاقتصادية ،  فلا يعقل أن ينافس تاجر عادي –مهما كان حجم رأس ماله – وزيرا أو مسئولا حكوميا فهذا الأخير يتوفر على ميزة تنافسية أفضل بحكم المنصب أو القرب من دائرة صنع القرار، لأجل ذلك يحرص العالم المتقدم على محاسبة أي مسئول عمومي حقق مكسبا تجاريا أو غيره من المنافع بحكم المنصب، لكن في العالم العربي أقرب الأبواب لتحقيق الثروة  الاستثمار في السياسة …

وحتى لا يكون كلامنا “طوباويا” سأعطي بعض الأمثلة البسيطة التي ترهق كاهل الأسر العربية، فعلى سبيل المثال إحجام الدولة عن الاستثمار الفعال و الرشيد في قطاعات الصحة والتعليم والنقل العمومي يرهق ميزانيات الأسر، فلو تم بالفعل إشباع هذه الحاجيات عبر تقديم سلع عمومية مقبولة الجودة والتكلفة لتم خلق دورة تنموية حميدة بإمكانها تحفيز إدخار الأسر و تقوية دالة الاستثمار عبر رؤوس أموال محلية …و التجربة التنموية “اليابانية”  او  ” الماليزية” أو “الكورية  الجنوبية” أو “الصينية”.. استندت في إقلاعها الاقتصادي على هذه الدورة التنموية …

هذه الدورة التنموية لن تكون فعالة دون مكافحة الفساد و نهب المال العام،

فالتساهل في هذا الجانب يدمر كل عملية تنموية مهما كانت سليمة نظريا، وعلى خلاف توصيات  مؤسسات البنك الدولي وصندوق النقد و منظمة التجارة العالمية التي تدعو بلدان العالم الثالث و البلدان السائرة في طريق النمو إلى تقليص الإنفاق العمومي على هذه القطاعات ” الغير منتجة”، فإن الدراسة المقارنة للتجارب التنموية الناجحة تؤكد  بخلاف ذلك، فتركيز الجهود على هذه القطاعات الثلاث يعد أحد أهم بوابات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، و دعامة رئيسية لإرساء السلم الاجتماعي في البلاد العربية وتحقيق التوزيع العادل للثروة و تقليص الفوارق الاجتماعية …

لكن تظل كلمة المفتاح في أي تحول ناجح هو مكافحة الفساد و الفصل الصارم بين التجارة والسلطان، و هو أهم تحدي يواجه الشعوب العربية في المستقبل القريب،  و أختم مقالي بقصة طريفة من الصين فالعرف السائد في هذا البلد منذ القدم، جعل أول مكان يزوره أي مسئول جديد هو السجن، حيث يرى مصير المسئولين الذين سبقوه و عملوا على استغلال المنصب الذي تقلدوه.. “و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون” …

إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى