مقالات

مخاطر التطبيع على الأنظمة العربية وفوائدها على نتنياهو

الإباء / متابعة

الدكتور العربي النشيوي

بداية، كل الانجازات التي تغنى بها نتنياهو ولا زال لم تحقق الأهداف التي رسمت لها، لأنها تبق أحداث وأفعال معزولة هنا وهناك دون أن تعطي في العمق أية نتيجة على الأمن والاستقرار والسيطرة الإسرائيلية النهائية. لا زال يراوح مكانه لأنه مأزوم داخليا ومحاصر بقوة ردع مقاومة يحسب لها ألف حساب، وبمعارضة من طرف القيادات العسكرية التي ترى في قراراته مخاطر حقيقية على اسرائيل وأمنها وربما على وجودها.

ما هي الإنجازات التي حققها نتنياهو منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض؟ هذا السؤال في حد ذاته يتضمن سؤال ثاني متعلق بالإنجازات التي حققها ترامب ذاته لصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط؟ والسؤال الثالث مرتبط كذلك بالسؤالين الأولين: ماذا حققت الدول العربية المرتبطة “بتحالف استراتيجي” مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ وصول ترامب للبيت إلى الآن؟ وماذا يمكن لها أن تستفيد من التطبيع مع الكيان الصهيوني؟ للجواب على السؤالين الثاني والثالث انظر مقالنا السابق “تجليات الانهيار المدوي لمشروع ترامب ضد إيران ومحور الممانعة” على صفحات رأي اليوم.

لماذا ركز نتنياهو على التطبيع مع الدول العربية وتوظيف كل ترسانته الإعلامية للترويج له؟ رهان نتنياهو وحزبه على التطبيع مع الدول العربية، وقيامه بالدعاية والتطبيل المستمر لكل خطوة أو حادثة أنجزها، يريد من ورائها تحقيق مجموعة من الأهداف المتداخلة والمتكاملة في آن واحد. وظف نتنياهوا كل قواه ومكره ليحقق انجازات في هذا المجال، واستغلال ذلك اعلاميا، على المستوى الداخلي لتعزيز موقعه للاستمرار على رأس السلطة لحماية نفسه من المحاكمة ودخوله السجن على الفساد وخيانة الأمانة، ولقد استطاع بالفعل أن يحقق مبتغاه وهدفه الأساسي في الاستمرار على رأي السلطة إلى حين لكن لم ينجو من المحاكمة، ومن جهة أخرى لطمأنة ما تيسر من الإسرائيليين الذين لم يعودوا يثقون في مستقبل كيانهم نظرا لتغير الأوضاع خاصة صعود قوة المقاومة التي حطمت أسطورة الجيش الصهيوني “الجيش الذي لا يقهر”، التي روج لها لسنوات، ومحاصرة أصوات الأقلية القلية من الإسرائيليين الذين يعارضون سياسته التوسعية الاستعمارية العنصرية.

هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي، يريد أن يبعث برسائل للغرب وللعالم، يظهر من خلالها أن ما يسمى بالدول العربية المعتدلة، لها علاقة جيدة معه بطريقة سرية لكنها في المراحل الأخيرة للتطبيع النهائي الرسمي. وهو بهذا يحقق ثلاثة أهداف أساسية كذلك، استمالة المشككين والمترددين في دعمهم للكيان الصهيوني، ومحاصرة وإضعاف مواقف القوى الحية التي تناصر القضية الفلسطينية وتدافع عنها، وإذلال بعض الدول العربية وترويضها النفسي على القبول “بالأمر الواقع” والاستسلام التام، واختراق المجتمع العربي الاسلامي بالسيطرة على إرادة حكامه الذين يجدون أنفسهم مضطرين لتوظيف الإعلام الموجه للدعاية لقراراتهم وتبريرها، والتشويش على إرادته بواسطة الذباب الالكتروني.

ما هي الظرفية التاريخية التي تقوم فيها بعض الأنظمة العربية ببداية تهيئة الأجواء والظروف للتطبيع السلس والتدريجي؟ وما هي مخاطر التطبيع على الأنظمة والمجتمع؟ في الوقت الذي نرى فيه البوادر والتطبيل للتطبيع مع الكيان الصهيوني يقدم هذا الأخير على مشروع ضم الأراضي العربية والمقدسات الإسلامية والمسيحية. هذه ظاهرة تاريخية فريدة من نوعها: لا يمكن أن نجد لها مثيل في تاريخ الإنسانية. فهي بهذا تظفي بشكل سافر الشرعية على اغتصاب الكيان الصهيوني على أرض الإسلام ومقدساته. شرعية كل الأنظمة، منذ أن ظهرت دولة المدينة في العهد السومري ببلاد ما بين النهرين منذ حوالي خمسة آلاف سنة إلى يومنا هذا، تبني أسسها بالحفاظ على الهوية وتعزيزها بالدفاع عن المقدسات والذود عن الوطن وصون الحرية والكرامة. التطبيع مع الكيان الصهيوني يضر بسمعة القيادات والنخب المتنفذة سياسيا وثقافيا وعسكريا وأمنيا، ويضع هذه الأنظمة في موقف لا يحمد عقباه: يضعها في صف العدو ضد إرادة شعوبها التي في أغلبيتها المطلقة تقدم لها، جهرا أو سرا خوفا من البطش، تهم بالتخلي عن المسؤولية التاريخية والوطنية والدينية والحفاظ على المقدسات، والتحول إلى عدو واضح ومكشوف يقف إلى جانب المحتمل وما يعني ذلك من الاتهام بالعمالة والخيانة، والوقوف ضد طموحاتها في التحرر والحفاظ على الهوية.

في الوقت الذي أصبحت فيه شوكة المقاومة أقوى، وأصبحت بالفعل قادرة على رد الصاع صاعين نجد بعض الأنظمة العربية تتخذ مواقف معادية لها وتشارك الأعداء في حصارها والتآمر عليها. ما ذا جنت الأنظمة العربية التي ساندت الولايات المتحدة لإسقاط نظام صدام حسين، ونظام القذافي وتموين الحرب والإرهاب في سوريا، والحرب في اليمن؟ ماذا سنجني إذا سقطت المقاومة؟ أليس من الأجدر بنا أن نقف إلى جانبها ونقدم لها كل أنواع الدعم لاكتساب القوة الضرورية للضغط لانتزاع حقوقنا؟ أين هي جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والدول العربية ذاتها مما يحدث في بلداننا من حروب بالوكالة وتمزيق بلداننا، وغطرسة الكيان الصهيوني وحاميته الامبريالية ومشارعهما للسيطرة الأبدية على الأرض والمقدسات؟

الكيان المحتل أساسه العقائدي ومشروعه السياسي واضح، يجب على الجميع أن يكون مستوعبا له بشكل جيد وبوعي تام، خاصة الأنظمة العربية الإسلامية وكل نخبها من سياسية وثقافية وعسكرية وأمنية واقتصادية وشرائحها الاجتماعية المختلفة، لأن الأمر متعلق بمصير الجميع إن كنا فعلا نريد أن نحيا والأجيال المتعاقبة حياة كريمة بين الشعوب ونحظى بمكانة لائقة بنا وبحضارتنا وتاريخنا وثقافتنا وثرواتنا. الكيان يبرر سيطرته وأهدافه على أساس عقائدي. الصهيونية والمسيحيين الإنجيليين والماسونية لهم هدف واحد، بناء هيكل سليمان، الذي يعتبرونه رمز دولة اسرائيل، داخل الحرم القدسي الشريف، وخطوة أساسية لعودة يسوع المسيح. يعتقدون أن عودة اليهود إلى “أرض الميعاد” فلسطين، شرطا أساسيا لتحقيق الخلاص وعودة المسيح. الثلاثي المذكور أعلاه، المنظم بشكل محكم على المستوى العالمي  ويعمل بكل الوسائل لامتلاك القوة والنفوذ للتأثير على مراكز القرار، إضافة إلى الامبريالية الأمريكية وكل الدول الغربية تقريبا، يقدمون لإسرائيل كل أنواع الدعم، ويساندونها في كل قراراتها وتحقيق أهدافها.

هذا الحلف الخماسي هو الصانع الفعلي للكيان الصهيوني، والداعم له، أولا بالعمل على مسح دماغ اليهود ودفعهم لتبني الصهيونية وإغرائهم وتهجيرهم إلى فلسطين، وثانيا بالمال والسلاح والخبرات العلمية، وثالثا بالدفاع عنه في المحافل والمنظمات الدولية وحمايته ضد تطبيق القرارات الدولية، ورابعا بالضغط على الأنظمة والدول للاعتراف به وربط العلاقات معه وتغاضي الطرف عن جرائمه.  في الوقت الذي نجد الغرب يتغنى بأنظمته السياسية القائمة على الفصل بين الدين والدولة وحرية المعتقد، الدولة العلمانية الديمقراطية،  نجده أسس دولة مبنية على عقيدة دينية صهيونية يهودية عنصرية، وعلى قانون يعرفها بدولة قومية للشعب اليهودي فقط، مخالفا بذلك لكل مبادئ الدولة الحديثة والقيم الديمقراطية.

الكيان الصهيوني لا مشروع له للسلام والتعايش لأنه غاز ومحتل وعنصري، هل من قوة سحرية تساعدنا على تغيير طبيعته؟. السلم يكون بين شعبين أو دولتين منغرستين في الأرض وبمساحة جغرافية معروفة بحدودها واسمها وتاريخها المعاصر، ولا يمكن أن يكون بين مستوطن أتى من كل أصقاع الأرض بالعقيدة والفكرة الراسخة الملخصة أعلاه، ليغتصب أرض الآخرين، الذي يعتبرها أرض ميعاده، ومسنود ومدعوم بقوى غاشمة لها باع كبير وتاريخ طويل في الاستعمار والسيطرة والاجرام ضد الانسانية الذي مارسته وامتهنته في كل القارات ضد كل شعوب المعمور. أي نوع من السلم يمكن أن يقام بين مستوطن سيطر على الأرض بالقوة وبهذا النوع من المبررات، وصاحب الأرض الذي انتزعت منه؟. الجزائريين قضوا أكثر من قرن من الزمن يطالبون بالإصلاحات وبالتساوي في الحقوق مع المعمرين الفرنسيين، لكن لم يحققوا مبتغاهم لأن المعادلة في الواقع غير منطقية حيث أن المغتصب متملك للقوة ولا يقبل بأن يتراجع قيد أنمله عن ما غنمه بتوظيفها، وبالتالي المنطق الرياضي السليم وعلى شاكلة قول الفلاسفة “العقل يحاكي العقل” ف”القوة تحاكي القوة”، وهي التي أنتجت توازن الرعب، وأفسدت على المستعمر التميز بامتلاك القوة الغاشمة لوحده، وأفسدت عليه كذلك حياة السلم والاطمئنان والربح المادي والثراء والعيش الرغيد، فتم تحقيق الاستقلال الكامل بعد 132 سنة من الاستعمار. هذا هو الوضع مع كل أنواع الاستعمار.

متى كانت الدول الاستعمارية والامبريالية والعنصرية راعية للحقوق الانسانية والحرية والاستقلال واحترام وحماية الدول الضعيفة دون أن تتحكم في ثرواتها واستعباد شعوبها والتنكيل بها والقضاء على كل من يقف في وجه تنفيذ مشارعها؟ والسؤال الآخر، لماذا كل الشعوب التواقة إلى الحرية والخلاص من الاستعمار والاستيطان والسيطرة الامبريالية وجدت نفسها مضطرة لخوض صراعا مريرا على كل الواجهات وبكل الأساليب وخاصة الكفاح المسلح، وقدمت تضحيات جسام من كل الأصناف وفي حالات كثيرة وصلت إلى ملايين الشهداء؟ لأنها استنفذت كل الأساليب الأخرى دون جدوى فلم يبق أمامها إلا هذا الأسلوب الذي بفضله فقط حققت الخلاص من السيطرة الاستعمارية المباشرة، ولا زالت أغلبيتها تناضل لتحقيق الاستقلال الكامل اقتصاديا وثقافيا وسياسيا.

كل الحكام الذي هادنوا المحتل الغازي خلال القرن الماضي في مرحلة الغزو الاستعماري، ووقعوا على الاستعمار تحت مسميات مختلفة، الحماية والانتداب، بحجة اجبارهم بالقوة، تم اسقاطهم من طرف شعوبهم التي قاومت المستعمر المحتل، ولم ينفعهم الخذلان والاحتماء تحت عباءة أسيادهم المحتلين، ومكانتهم الآن في مزبلة التاريخ، باستثناء حالة واحدة في العالم العربي، حالة المغرب الذي تميزت حركته بالتحام الملك والشعب ضد الاستعمار الذي تطاول على الملك محمد الخامس، عندما قدم وثيقة المطالبة بالاستقلال 11 يناير 1944، وطالب في خطاب طنجة 10 أبريل 1947 باستقلال المغرب وأكد فيه على وحدته وتحرره التام من السيطرة الاستعمارية، ونفاه في يوم 20 آب/أغسطس 1953 إلى جزيرة كورسيكا، وفي يوم 2 كانون الثاني/يناير إلى جزيرة مدغشقر 1954، ونصب مكانه ابن عرفة ملكا صوريا على المغرب. وقف المغاربة وقفة رجل واحد، كل القوى الوطنية وكل الشعب المغربي، ضد المستعمر وصانعته حيث رفضوا تلك الأسلوب الإجرامي، وطالبوا بعودته ملكهم الشرعي فاضطر الاستعمار الغاشم أن يرضخ تحت وطأة نضال المغاربة فأعاد ملك البلاد يوم 16 تشرين الثاني/نفمبر1955، الحدث الجلل الذي دشن لبداية الاستقلال.

قرار حكومة عباس في الضفة الغربية بتعطيل قنوات الحوار والتنسيق مع اسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة وقف التنسيق الأمني أربك القيادات الإسرائيلية التي أصبحت الآن تطرح أسئلة كثيرة ومتخوفة من ما تحبل به الضفة الغربية من امكانية انطلاق انتفاضة جديدة وكفاح مسلح. وحدة الشعب الفلسطيني وتبنيه الأسلوب المعتاد والسليم في مقاومة الاستعمار الذي نهجته وخاضته كل شعوب المعمور هو الطريق الوحيد  لانتزاع الحقوق ونيل الاستقلال.

إن حريتنا واستقلالنا حققه أجدادنا وآباؤنا بالمقاومة والنضال بكل أنواعه ضد المحتلين المغتصبين. في هذه المرحلة، مرحلة تكالب القوى المتربصة بنا وبأوطاننا ومقدساتنا وثروتنا، وعلى رأسهم الصهيونية العنصرية وحاميتها، لن نستطيع تحقيق وصيانة وتعزيز استقلالنا الحقيقي إلا بنفس الأسلوب.

أستاذ التعليم العالي، قسم التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، وجدة المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى