أخبارمقالات

من يقف خلف محاولة اغتيال الدكتور حمدوك الفاشلة؟

يتميز الشعب السوداني عن معظم الشعوب العربية الأخرى، ان لم يكن كلها، بميله نحو السلم والابتعاد بقدر الإمكان عن العنف بأشكاله كافة، وانعكست هذه الصفات الحميدة في ثورته الأخيرة التي أدت الى تغيير نظام الرئيس عمر البشير المتهم بالاستبداد والفساد، ولهذا فان محاولة اغتيال الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء، التي جرت اليوم الاثنين من خلال سيارة مفخخة استهدفت موكبه يعتبر استثناء وخروجا عن هذه القاعدة.

بالنظر الى الوضع السوداني فانه ومنذ بدء حراك مدني تقوده النقابات المهنية قبل اكثر من عام، نجح في احداث التغيير، بداية بالإطاحة بنظام البشير، وبدء مرحلة حكم انتقالي يقوم على أساس تقاسم السلطة بين المؤسسة العسكرية والمدنيين، فان هذا الوضع كان هشا، لوجود العديد من القوى الداخلية والخارجية التي تعارض عملية التغيير هذه لأسباب عديدة، بعضها راجع الى تهميشها وعدم اشراكها في السلطة، او لرفضها أي دور للعسكر، او لتعاطفها مع النظام السابق التي كانت جزءا رئيسا في مؤسساته.

وللإضاءة اكثر الى هذه الحقائق ربما يفيد التذكير بالعديد من محاولات الانقلاب العسكري التي وقعت في الأيام الاولى للحراك باءت جميعها بالفشل، واستطاع التحالف بين الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس المؤسسة العسكرية وقوى التعيير ان يلعب دورا فاعلا في تحقيق نوع من الاستقرار في البلاد، ولكن يظل من الصعب التنبؤ بقدرته على الصمود.

التغيير الانتقالي في السودان لم يقتصر على ازالة حكم “ثورة الإنقاذ” الإسلامية وتقديم رئيسها عمر البشير الى المحاكمة بتهم الفساد، وانما امتد الى ما هو ابعد من ذلك، أي تغيير أولويات السياسة السودانية، والاقتراب اكثر من الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي (لقاء البرهان نتنياهو في اوغندا)، والانحياز الى الموقف الاثيوبي في ازمة سد النهضة في كسر لثوابت وطنية وإقليمية استمرت اكثر من 70 عاما على الأقل.

لم يتم توجيه الاتهام الى أي جهة بالوقوف خلف محاولة الاغتيال الفاشلة هذه، ولكن استهداف الدكتور حمدوك بالذات الذي يوصف بأنه مهندس التوجهات الجديدة للسياسة السودانية ربما يشي بالكثير، فالرجل يؤمن بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة، وإقامة علاقات رسمية مع الاحتلال الإسرائيلي، وكان من ابرز المؤيدين، بحكم منصبه، لرفض الوفد السوداني في مفاوضات سد النهضة التي رعتها الإدارة الامريكية، وقاطعتها الحكومة الاثيوبية، كما ان حكومته تحفظت على قرار لمجلس وزراء الجامعة العربية يؤيد مطالب مصر بحقوقها المائية الشرعية، وحصتها في مياه النيل، ويدين الموقف الاثيوبي، الذي يريد فرض سياسات الامر الواقع من خلال المضي قدما في بناء سد النهضة وملئ خزاناته دون أي اعتبار للمطالب المصرية.

المتحدث باسم الخارجية المصرية السيد احمد حافظ سارع بإدانة محاولة اغتيال الدكتور الحمدوك واكد على تضافر الجهود الاقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، وكأنه بهذا البيان ينأى بحكومته عن هذه المحاولة التي جاءت في ذروة التوتر في العلاقات المصرية السودانية.

محاولة الاغتيال الفاشلة والمدانة هذه هي رسالة تحذير ارادت الجهة التي تقف خلفها توجيهها الى الدكتور حمدوك والحكم الحالي في السودان من اتباعه لسياسات ومواقف لا ترضي من محاولات تهميشها أي تلك الجهات أيضا.

لا نريد استباق الأمور، خاصة ان التحقيقات بدأت للتو في هذه الجرعة البشعة، التي تتعارض كليا مع ارث الشعب السوداني السلمي، ونأمل ان لا تكون “فأل” سيء يشي بمرحلة قادمة من عدم الاستقرار الذي يشكل الأرضية الأساسية لخروج السودان من الازمات الحالية التي تواجهه، وخطوة رئيسية نحو التعافي، واكمال عملية الإصلاح الاقتصادي والسياسي التي بدأت قبل اشهر معدودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى