مقالات

الخوف والتخويف

 

الإباء / متابعة ….

بات من البيّن أن التلازم هو قدر العلاقة بين الدولة والخوف. إنه الغطاء الشّرعي لوجودها. بل لا معنى للدولة بانتفاء الخوف. فكان العقد الاجتماعي كالتالي: عليكم أيّها البشر، أفرادا كنتم أو جمعا، أن تتنازلوا للدولة عن كل سلطة تملكونها، فردية كانت أو جمعية، مقابل أن توفر لكم هذه الدولة الأمن والأمان وتدرأ عنكم المخاطر التي عشتم آلاف القرون وأنتم تجابهونها. وبدل أن نقضي عليها، انقسمت، وتكاثرت، وتغلغلت أكثر في مستقبلنا. وازداد قربها من حاضرنا. فلماذا اختارت الدولة الخوف لتقايض به من أجل وجودها؟

قبل أن يحبّ الإنسان أو يكره، خاف. وقبل أن يملك، خاف. وقبل أن يفكرّ، خاف.. خاف مثله مثل الحيوان. لكنه “سرعان” ما فكّر في الخوف، في مصدره وأسبابه. وحين فكّر الإنسان في سبل مجابهة المخاطر التي تهدّد بقاءه، تساءل عن الطبيعة والموت والمستقبل، وتساءل عن ذاته. فكانت الإجابات هي كلّ ما أنتجه الإنسان عبر التاريخ من حروب وفنون وديانات وأساطير ومعمار وفلسفة وعلم.

غير أنّ هذه المخاطر الثلاثة ظلّت مصدرا للخوف بحكم طبيعتها الغامضة. فبعد كل هذه القرون، مازالت الطبيعة والموت والمستقبل والإنسان نفسه موضوعات مجهولة بالنسبة إلى الإنسان، فلا يمكن توقّع ما قد تفعله، وبالتالي لا يمكن مجابهتها. فجاءت الدولة واعدة بأنها ستردّ هذه المخاطر وفي أسوأ الحالات ستقلص من خطورتها أو تؤجّلها.

وقع إذن اتفاق يُلزم الفرد والجمع بالتنازل عن سلطاتهم لفائدة الدولة مقابل أن تضمن له/لهم هذه الدولةُ الأمن والأمان. علينا إذن أن نظلّ خائفين دوما حتى نكون في حاجة دائمة للدولة. كان لزاما عليها أن تحافظ على مبرّر وجودها هذا، بل بات من الضروري تجديده وإنماؤه بالتفريع والاشتقاق والتّدوير..

جنون البقر، إنفلوانزا الخنازير، الجهويات، العنصرية، ذبابة النيل، اختفاء البيض من الأسواق، انفجار لغم، هروب المستثمرين، نزول الدّينار، الانتحار، الاغتصاب، خطف الأطفال، الحرب.. ألا تؤدي جميعها الوظيفة نفسها؟ إن إشاعة هذه المخاطر بين الناس لا تؤدي إلاّ إلى الخوف بدرجات متفاوتة أوّلها التّململ والانزعاج وليس آخرها الرّعب والهلع..

في تونس مثلا، أليس في إجراء مباريات كرة القدم دون حضور جمهور الفريق المنافس إضمار بل ترسيخ لكون التّونسي، يمثل تهديدا للتونسي الآخر؟ ولا أحد يعلم من هو التونسي ومن هو التونسي الآخر؟

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى