تقارير

في ادلب زمن يموت .. السلطنة تتصدع والسلطان يتضرع والجولاني يتوجع ..

الإباء / متابعة

في كل مرحلة يتربع شخص على مفاصل أحدائها .. وقد يكون شخصا نبيلا وحكيما او يكون شريرا لئيما .. لكنه يطبع الزمن ببصماته عندما يكون انسانا .. او بمخالبه عندما يكون متوحشا سفاحا .. أو بحوافره عندما يكون بهيميا .. ورغم ان الربيع العربي هو انجاز اسرائيلي بكل معنى الكلمة استعملت فيه اسرائيل أذرعها العربية مثل الخليج المحتل وخاصة قطر والسعودية .. الا ان الربيع العربي كان عملية غربية بامتياز لمساعدة اسرائيل .. واستعمل الغرب أذرعه أيضا وخاصة ذراعه الاسلامي والعثماني .. واستعمال كلمة الاذرع لهذه القوى الحليفة لاسرائيل هو عين الصواب .. فالغرب يستعمل هذا المصطلح لوصف حزب الله الحوثيين والمقاومين العراقيين والفلسطينيين على انهم اذرع ايران .. ولكن الحقيقة هي ان ايران هي الذراع الضارب لهذه القوى بينما الأذرع الحقيقية التي تستعمل ضد ايران هي اذرع اسرائيل المتمثلة بالذراع السعودي والقطري والاسلاموي والاخواني والتركي .. فهذه هي الاذرع الحقيقية لاسرائيل في الشرق الاوسط .. ولكن التعمية على الحقيقة هي اختصاص اعلام اسرائيل الذي يلبس الحقيقة ثوب الخيال ويلبس الخيال جلد الحقيقة .. كما فعل دائما عندما روج لفرية بيع الرئيس حافظ الاسد الجولان بينما بيّن التاريخ ان من كان يبيع كل عقارات العرب ومقدساتهم سرا هو الملك حسين والسادات والسعودية .. وكما روج اعلام الصهيونية النفطي ان الجيش السوري لايطلق الرصاص على الجولان بل على الشعب السوري رغم ان كل الموت الذي حل بجنود ومستوطني الصهاينة منذ عام 1973 كان مصدره رصاص ترسله دمشق وصواريخ تصنع في دمشق وليس في اي عاصمة عربية على الاطلاق .. ولم يقتل اي اسرائيلي باي رصاصة من مخزن سلاح عربي منذ عام 1973 باستثناء الرصاص الوحيد الذي خرج من مخازن الجيش السوري الى المقاومين مباشرة .. وهذا أمر نتحدى به اي ثرثار ان يدلنا على عملية ضد اسرائيل لم تكن ممولة ومدعومة ومذخرة من الجيش السوري وايران .. فيما لم تخرج رصاصة عربية واحدة من المحيط الى الخليج نحو اسرائيل منذ عام 1973 في الوقت الذي خرج فيه كل المخزون العربي من الرصاص نحو سورية والسوريين فيما سمي الربيع العربي والثورة السورية .. ومع هذا قلبت الحقائق وصار الجيش السوري هو الذي لايقاتل اسرائيل .. ولايقتل الاسرائيليين بل يقتل شعبه ..

المهم أنه رغم ان الغرب هو المساهم في صنع ماساة الربيع العربي الا أن الحقيقة هي ان تركيا وزعيمها الاسلامي اردوغان هي قلب الربيع العربي وهي الدبابة التي ركبها العرب لأنها قدمت النموذج الفخ الذي جذب العرب وظنوا انهم سيلحقون بنموذج اردوغان الناجح في بلدية استنبول عندما نظف المدينة من القمامة واستأجر البورصات الاجنبية لانعاش الاقتصاد التركي .. وكان تلميع نموذج تركيا مقصودا .. لأن اليائسين يحومون ويطوفون حول اي تجربة ناجحة .. فعندما انتصر ناصر في مصر وتألق نموذجه القومي تدافعت الجماهير العربية نحو نموذجه وضغطت بقوة على الحكام لتطبيقه او لمسايرته .. وكانت هيبة ناصر لاحدود لها وكل من انبهر بالتجربة المصرية في التأميم وصد العدوان الثلاثي وفلسفة الثورة الناصرية وتوزيع الارض على الفلاحين .. انما كان يرى ان انتصار ناصر السياسي والدولي وصموده في السويس لأنه كان يطبق النظرية المفقودة التي تبحث عنها الجماهير والامم والتي فيها العلاج الكامل لأمراض شعوب الشرق .. ولذلك اندفع السوريون للالتحام بمصر الناصرية ووصل الرئيس العراقي عبد السلام عارف الى القاهرة قائلا لعبد الناصر (أتيتك بالبلح في يميني والنفط في شمالي) .. وعندما هزم ناصر في النكسة تخلى عن نموذجه الناس وفقدوا الثقة به .. وظنوا ان النموذج فاشل ومهزوم لأنه انتهى الى حرب فاشلة هزم فيها كنظرية وكنموذج ..

وعندما انتصر الاتحاد السوفييتي في سباق الفضاء في ارسال اول رائد فضاء في العالم انبهر الناس وظنوا ان السبب هو صواب النظرية الاشتراكية والشيوعية فالتحقوا بنموذجها دون تفكير سواء كانت تناسبهم ام لا .. وانتشرت التيارات اليسارية الشيوعية في كل العالم لأن الانتصار جذاب وباهر في ضوئه ويجذب كل الفراش التائه في الليل البهيم .. ولكن صعود اميريكا الى القمر – ولو انه يقال اليوم انه صعود وهمي في استوديو هوليوودي بدليل انه لم يتكرر – هذا الصعود كان لاقناع الناس ان النموذج الامريكي للحياة والنظرية الاميريكية للحياة الاقتصادية هي الأنجح لأنها نجحت فيما فشل فيه السوفييت بسبب عقم نظريتهم التي لاتملك القدرة على المنافسة .. ويقال ان هذا الصعود الى القمر اقنع الناس ان نموذج اميريكا هو الخلاق وان النموذج السوفييتي فشل في التفوق الفضائي فسيفشل في كل مناحي الحياة .. فالتفوق والنجاح دوما يولدان الرغبة في تقليدهما .. وتبني كل مايتعلق بهما لأن الناس تظن ان النجاح هو كتلة واحدة وسلة واحدة اما ان تأخذ كل شيء او لاتنجح .. وهذا هو سبب استسلام مجتمعات النفط العربية المحتلة للنموذج الغربي والامريكي بسبب عقدة النقص من التفوق الغربي .. فيحاول الخليجيون تقليد الانكليز في كل شيء في مناحي الحياة من اللغة الى اللباس وطريقة الحياة .. لكنهم مجتمعات تدعو الى الضحك والشفقة في عملية التقليد البائسة .. التي تحولت الى نموذج مضحك ..

المهم ان الاسلاميين استماتوا للحاق بنموذج تركيا واردوغان .. اي الفخ الذي تم اعداده بعناية للعرب فتطوعوا للموت في سبيل استجلاب النموذج التركي الى بلدانهم .. وتسابق الاسلاميون يحضرون البلح العراقي والعنب الشامي وماء النيل لاردوغان ليقبلهم في خلافته النموذجية .. ولذلك فان الربيع العربي في الحقيقة يجب ان يطوب باسم أردوغان لأنه كان زعيما جذابا للاسلاميين مثلما كان ناصر جذابا للقوميين والعروبيين والوطنيين العرب .. فالربيع العربي هو زمن أردوغان بلا اي شك .. فأردوغان هو الملهم للنهضة في تونس .. وهو الملهم للاصلاح في اليمن .. وهو الملهم للاخوان المسلمين في مصر ولحماس الفلسطينية وللاخوان المسلمين السوريين وللسودانيين وللاخوان المسلمين الليبيين في طرابلس .. كل هؤلاء يعتبرون اردوغان هو تجربة جديرة بالاهتمام والتقليد والمحاكاة بل وتسليمها قياد المجتمع العربي .. كما انجذب العرب الى ناصر ..

اردوغان وان بقي في السلطة الا ان أسطورته تآكلت وانتهت .. لأنه كسر في سورية .. وصار محصورا في جيب ادلب الذي يتآكل بالتدريج .. ويقضم قطعة قطعة .. ويظهر اردوغان مثل اللص الذي يخرج البوليس من جيوبه المسروقات واحدة واحدة الى ان يتم تجريده من كل الملابس التي تغطى بها .. فحتى ثيابه البطولية ونياشينه مسروقة ..

وبمراجعة بسيطة سنجد ان النموذج الخلاق الذي بنى الاسلاميون عموما أسطورتهم عليه وصل في عهده أكبر كوارث واهانات بحق المسلمين .. ففي حصاد لزمن أردوغان اعطيت القدس بكل رمزيتها الاسلامية لاسرائيل .. ولم تجرؤ اسرائيل واميريكا على اعلانها عاصمة في زمن اي ديكتاتور عربي الا في زمن اردوغان .. وأكثر مافعله السلطان انه دعا المسلمين لشرب القهوة التركية في استانبول على وقع بيان تركي ثرثار توعد اسرائيل وهو لايقدم ولايؤخر ..

ولكن صفقة القرن المهينة ايضا أيضا خرجت في عهده الميمون .. وأكثر ماسيفعله هو ثرثرة وجعجعة لأن حقيقة مافعله اردوغان هو تدمير كل قوى الرفض العربية واشغال قوى المقاومة التي كانت تخشاها اسرائيل .. وكما قال الاعلامي حسني محلي فان مئات الالاف من الجهاديين الذين قادهم اردوغان في الربيع العربي لو تم توجيههم الى فلسطين لأبادوا نصف الجيش الاسرائيلي .. وبذلك فان اردوغان وفر على الجيش الاسرائيلي كارثة محققة .. بل ان جانب الحياء والخوف في الاسرة المالكة السعودية الذي كان يمنع السعوديين من التقدم في التطبيع العلني قام اردوغان باقتلاعه عنوة عندما تآمر مع الاميريكيين على توريط محمد بن سلمان في عملية نشر الخاشقجي .. وكانت هذه العملية الاجرامية التي تولى التلاعب في تفاصيلها كلها الرئيس التركي اردوغان .. كانت سببا في ابتزاز ابن سلمان أكثر وارغامه على الخروج من التحالف السري مع اسرائيل الى التحالف العلني لأنه صار مثل عمر البشير تنتظره محكمة الجنايات الدولية ان لم يتحرك من مكمن الاسرة السعودية في الظلام حيث فضلت هذه الاسرة التطبيع السري بصمت لتجنب الحرج .. اي ان جزءا من التطبيع العلني السعودي ساهم فيه اردوغان نفسه ودفع السعودية اليه .. لأنه لم يستفد من قصة الخاشقجي لا تركيا ولا السعودية .. بل اسرائيل واميريكا ..

بعد كل هذه الفضائح والروائح التي صارت تصدر من نهايات زمن اردوغان تحدث معركة ادلب .. هذه المعركة التي تعلن نهاية زمن اردوغان الذي تم فيه تدمير القوة العربية والاسلامية الهجومية .. لأن كل من انخرط في الحرب العربية العربية خسر الكثير من قواه .. حتى الاسلاميون فانهم وضعوا كل مااستطاعوا تجميعه مذ خمسين سنة من زخم وتطوع وحماس ومناهج وتفان في هذه المعركة التي لاشك انها قصمت ظهورهم وخرجوا منها مثخنين بالجراح وبخسائر دمرتهم ودمرت بنيتهم الاجتماعية التي تشتتت لعقود قادمة واسقطتهم من قائمة القوى الاجتماعية التي يمكن الاطمئنان لها او التي يمكن ان تستعيد توازنها ..

فاذا كانت معركة حلب هي التي كسرت ظهر اردوغان وبدأت نهايته فان معركة ادلب وانهياراتها السريعة تؤشر على ان ليس ظهر اردوغان هو ما يواجه المحنة اليوم بل زمنه الذي بدأ عام 2002 وينتهي اليوم دون أن يقدر ان ينقذه احد .. كما انتهى زمن ناصر عام 1967 في معركة سيناء .. مع الفارق الكبير بين عظمة ناصر واخلاصه وسوء نية وطوية اردوغان وعمالته ونذالته ..

ان الذي يتقهقر في ادلب هو اردوغان ..وليس الجولاني ولاجبهة النصرة التي تتصدع وتتشقق .. وخطاب اردوغان العنتري الذي هدد فيه بعمل عسكري في الحقيقة هو أشبه مايكون بالتضرع والتوسل الضمني الى روسيا ان ترحم عزيز قوم ذل .. وانه الترجمة الحرفية (كما يقول الاسلاميون في الكوارث والمحن) ان أردوغان لايسأل الروس والسوريين رد القضاء ولكنه يسألهم اللطف فيه ..

الكل يعرف ان ادلب هي لحن النهاية لزمن رجب طيب اردوغان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس طوال عشرين سنة مرة عندما كان يستدرج العرب الى الفخ العثماني .. ومرة وهو يقبر الحلم العثماني في سورية .. ان تهديداته وعنترياته الادلبية ماهي الا غطاء ناري للانسحاب التكتيكي والاستراتيجي التدريجي الذي تم التفاهم عليه بصمت في لقاء مملوك – فيدان .. وان أكثر ماسيفعله الاتراك هو انهم سيدفعون بكل المقاتلين السوريين الذين يخزنونهم مخازن الجيش التركي في مايسمى الجيش الوطني لاعاقة التقدم السوري وجهله مكلفا من أجل الحصول على تنازلات قليلة وبسيطة من السوريين .. ولكن لن يشترك في المعركة جندي تركي واحد بشكل علني الا بمناظير المراقبة من النقاط التركية المحاصرة .. لأن اي معركة تركية ستكون منازلة متأخرة جدا .. معركة خطأ في الزمن الخطأ ..

مانراه اليوم في ادلب هو مايمكن ان نطلق عليه .. نهاية زمن أردوغان صاحب الربيع العربي .. الذي قد يبقى كالمومياء المجوفة المحشوة بالقش والقطن واوراق الجرائد والخطابات العنترية .. ولن يترك هذا الرجل بصمات على كتاب الزمن بل سيترك آثار مخالب وحوافر لشدة ماارتكبه من وحشية وبهيمية بحق شعوبنا .. انه مخلوق خرافي لم تتوقعه الاساطير عن مخلوق له مخالب في الحوافر .. لكنه دونكيشوت الفارس في عصر اللافروسية .. اردوغان في عصر اللاأردوغانية ..

من كان يتصور ان الأزمنة التي تكتبها القوى الكبرى يقرر نهاياتها شباب محاربون فقراء .. يسكنون في الدبابات كما يسكنون البيوت الواسعة .. ويحملون بطانياتهم على ظهورهم كما الغجر .. هؤلاء صاروا يلاعبون الزمن ويقررون له من يبقى ومن لايبقى اسمه .. يشطبون زمن أردوغان .. ويمحونه بالممحاة .. ويعطون الزمن اسما جديدا .. ولحنا جديدا .. يبدأ من فوهات دباباتهم ..التي صارت أقلاما حبرها من نار ..

A.A

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى