أخبارمقالات

الفنكوش الثوري

كتب / كمال خلف

انتظرنا عقودا تحرك الجماهير العربية، نادينا في المنابر وعلى كل ضامر كي نرى خروج الشعب العربي من كل فج عميق، تملكنا اليأس من صمت القبور في عواصم العرب وشوارع المدن العربية في الوقت الذي كان يدخل فيه الغزاة” إلى فراش ليلى العامرية “، وحجرة ” عروس عروبتنا ” ولاحقا ركبوا الجمال في صحرائنا جنوحا لما سماه الحاكم العربي السلام الشامل ” بينما هم كانت صدورهم تهمس ” ركبنا العرب”. كنا نتسائل متى يثور الإنسان العربي لكرامته المهدورة وصور أشلاء الأطفال على مساحة وطن صار أوطانا وشعب واحد صار شعوبا وطوائف ومذاهب. متى يقف الشارع العربي خلف المقاومة اليتيمة، وضد التآمر عليها وتجريمها بدلا من إدانة المحتل؟؟.

وأخيرا وبعد عقود على السؤال المكرر ” وين الملايين الشعب العربي وين” في كل مأساة و بعد كل مجزرة وأثر كل غزو وعدوان، تحركت الجماهير بالفعل نافضة غبار الماضي الابكم و العجز الممزوج بالذل، وغصت الساحات العربية بالمتظاهرين والثورين، وارتفعت الأصوات في كل زاوية على امتداد الجغرافيا الممزقة والخائفة، وهتفت معها قلوبنا فرحا بأننا نعيش في زمن زلزال الشعوب، وأن أطلقوا عليه ربيعا عربيا فلا ضير، ليس مهما التوصيف، الأهم أن الجسد الميت ارتعش ودبت فيه الحياه، ليس مهما أن تحركت الشوارع ضد الظلم المحلي أو ضد الحاكم من أجل لقمة العيش والحياة الأفضل والتنمية والتعليم و الصحة والديقراطية.. الخ، وليس من أجل فلسطين أو ضد الهيمنة أو التبعية أو الفشل في صياغة مشروع عربي جامع.. فطريق التحرر والتنمية و الديمقراطية و العصرنة هو ذات الطريق الموصل الى تصحيح مسار النضال نحو القضايا الكبرى. والشعوب لا تخطيء البوصلة، والمجتمع المتخلف لن ينتج مشروعا نهضويا أو تحررا كاملا. إذا فلتكن ثورة جياع أو ثورة كرامة وعيش وعدالة اجتماعية. وكانت البشرى من تونس قبل ثمانية أعوام، ولحقتها مصر. و هتفوا وهتفنا ” إنه زمن الثورة “

ثوريون آخرون أكملوا الطريق، في بلدان أخرى، لكن كان لابد لهذا الحصان الجامح أن يمطيه مروض، فتحولت المطالب بالتغيير الشعبي إلى دعوة لحلف” الناتو” كي يحسم الأمر، وفي قبعة المروض الكثير من الارانب، تمكنت من تبرير وتحوير كل شيء. فالعدوان الغربي على ليبيا صار حماية للمدنيين، وإسقاط النظام هو الهدف الأخير وليس بداية الطريق نحو الدولة العادلة المستقرة، والفتوى عصا لمن عصا، ومفتاح الجنة في الجيب لمن ترك بلاد الأرض وأتى للقتال. والسلاح هو البضاعة الوحيدة المستوردة.. لا أفكار و لا مشاريع للمستقبل ولا يهم ماهو التالي. فتمزقت البلاد و تشتت العباد، وتقاتل المنتصرون وتضاربت الأجندات و فتحت الأبواب للتدخلات و لعبة النفوذ، وفي المحصلة دولة فاشلة ضعيفة ولا حلول.

والمشهد في سوريا كان أكثر قتامة، فمع بداية التحركات الشعبية، قفز الطائفيون والممولون ومهندسوا الثورات الفاشلة، وشيوخ الفتن المتحجرون، وسماسرة نقل وشحن المتطرفين من كل أرض. والانتهازيون أصحاب شهوة السلطة، ولا ضير في تكرار دعوة الغزاة، واستعمال الفتوى، فاسقاط النظام هو الغاية وليس مهما الوسيلة.

إنه أيها السادة باختصار “الفنكوش الثوري”، ومن لايعرف الفنكوش هو بضاعة للأكل هلامية وهمية اخترعها الفنان “عادل إمام ” في فيلمه الشهير ” الفنكوش” واقنع عامة الشعب أنها مادة فريدة عبر الدعاية والإعلان ليتضح في النهاية أنها مجرد كذبة.

بعد مرحلة عصيبة من “الفنكوش الثوري” جاءت موجة أخرى من حراك الشارع العربي المبارك وهذا الشارع الصادق في أهدافه وألمه و أحلامه، المبتلى “بالفناكيش ” وبضاعتهم الفنكوشية. هذه الموجه جاءت أكثر حرصا على عدم ابتلاع “الفنوكش” الذي كسد في الأسواق و بدأت تفاصيل صناعته تتكشف بألسن أصحابه.

فكانت التظاهرات في الجزائر والسودان تحمل هواء نقيا، وأعادت لنا الأمل في أن الشارع العربي لم يستسلم للواقع المظلم، ثم جاءت هبة العراق ضد الفساد والطائفية ومازلت إلى الآن في صراع وجودي بين أن تكون هبة شعبية تأخذ البلاد إلى مرحلة جديدة تضع العراق على سكة التطور والقوة و تنهي زمن الفساد والطائفية والمحاصصة، بالوعي والصبر والثبات على الأهداف، أو أن تدخل العصر “الفنكوشي” ويصبح الغضب الشعبي مجرد إداة يتم توجيهها نحو مصالح وأجندات لم تكترث سابقا بمصير الشعوب التي شردتها والدول التي قسمتها ومزقتها وجعلتها غابات من السلاح يصعب ضبطه، ولن تكترث بمصير شعب العراق اذا حققت أهدافها.

والحال في لبنان ليس بعيدا عن العراق، فشعب لبنان من أرقى شعوب المنطقة، وعندما خرج إلى الشارع حدد مطالبه بشكل واضح.. “محاسبة كل الفاسدين في السلطة، واستعادة الأموال المنهوبة وإلغاء الضرائب وتشكيل حكومة نظيفة تعكف على خطة عمل اقتصادية تنقذ البلاد وصولا إلى إلغاء النظام الطائفي وبناء دولة عصرية “. لكن التحدي الأكبر لدى الثورة في لبنان هو محاولة إدخال” الفنكوش الثوري” إلى أسواق الغضب لاختراق الحراك، وتحويله نحو سلاح المقاومة، لتصفية حسابات سياسية ضمن استراتيجية متدرجة تهدف إلى خنق المقاومة وتجريدها من بيئتها. محاولات شرسة يقودها من نزل مع المتظاهرين وتمترس خلفهم ليطل باجندات هو ليس سوى اداة للتنفيذ فيها.

إلى الآن يصارع الحراك في لبنان كي يبقى حراكا وطنيا جامعا، ونأمل أن ينتصر الشارع الصادق في المعركة.

أيها السادة الثورة ضد الظلم ومن أجل حياة أفضل لا تتناقض مع التمسك بالقضايا الكبرى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. والصراع العربي مع إسرائيل والحلم العربي في بناء مشروع نهضة يرفض التبعية والهيمنة والغزو العسكري لبلادنا، ويدعم المقاومة كبارقة أمل لاستعادة الحقوق المسلوبة. وكل حراك أو تغيير يشرع الغزو أو يناقض حق الشعب في مقاومة المحتل، او يمد يده للتمويل الخارجي أو يدعو للتقسيم والانقسام والانتقام، أو يستخدم وسائل التضليل أو التكفير أو الطائفية والمذهبية والإلغاء والإقصاء هو قطعا “فنكوش ثوري” احذروه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى