أخبارمقالات

ليس بالمواقف السفسطائية والخطب الرنّانة تنتصر فلسطين

إن مواجهة صفقة القرن الأميركية وتطبيقاتها على الطريقة “البنيامينية”، تتطلّب التوافق على استراتيجية وطنية شاملة وليست أحادية – (رزمة متكاملة) – تستند إلى حالٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ متماسكةٍ وآليات ميدانية فعّالة، لتصويب العلاقات الائتلافية داخل منظمة التحرير ومؤسّساتها، وإعادة بناء هذه العلاقات على قاعدة الديمقراطية التوافقية والشراكة السياسية.

طرح وزير الخارجية الإسرائيلي في لقائه الأخير مع نظيره السويسري خطة مشتركة “لإسرائيل” وسويسرا للتعاون بهدف إيجاد بديل مناسب لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يمكن من خلالها إزالة مكانة اللجوء وتبديد حق العودة للاجئين الفلسطينيين، في الوقت الذي أصدر فيه تعليماته ببلورة وثيقة تُعرَض كبديلٍ لنشاط الأونروا وبالتعاون مع دول أخرى، وادعى أيضاً، أن الأونروا تديم مكانة اللجوء الفلسطينية، وتديم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما تديم المطلب الفلسطيني بحق العودة.

وفي وقتٍ سابق، هاجم وكالة الأونروا، وزعم أنها “هي المشكلة وليست الحل” ، كما ادّعى “أن عناصر الأونروا في قطاع غزَّة تعاونوا ضد إسرائيل مع فصائل المقاومة والتي وصفها بـ”المنظمات الإرهابية”.

و(القناة 12 الإسرائيلية) قالت: إنه نظراً للمكانة الخاصة لسويسرا، فإن “الاتفاق على التعاون بهذا الشأن قد يساعد في إحداث تغيير في هذا المجال المصيري”، خاصة وأن سويسرا تُعتَبر إحدى الدول الداعِمة مالياً للأونروا، وقامت مؤخّراً بتجميد تحويل الأموال في أعقاب تقارير تحدَّثت عن فسادٍ داخل الوكالة بإدارة مديرها السويسري.

واتفق الوزيران – الإسرائيلي والسويسري -على التعاون لفحص البدائل المُمكنة لنشاط الأونروا، من خلال إشراك مُحتَمل للولايات المتحدة ودول أخرى، وطلب الوزير الإسرائيلي من إدارته في الخارجية الإسرائيلية إعداد وثيقة تعرض البدائل لنشاط الأونروا، حيث عقد الطاقم المُكلّف عدَّة جلسات، ويتوقّع أن يقدّم وثيقة بهذا الشأن في وقتٍ قريبٍ ضمن إطار زعمه :”أن إقامة وكالة الأونروا هو حالة خاصة في قضية اللاجئين العالمية، وتهدف إلى إدامة قضية اللجوء الفلسطينية، ومطلب حق العودة للاجئين وأنسالهم” الذين يُقدَّر عددهم بنحو 5.3 مليون لاجئ ، كما ادّعى أنه نشأت فرصة “لتغيير الرواية التي تُحكى”، ووضع الخطط الملائِمة والدفع بها بحيث “تشدّد على الجانب الإنساني وتحسين أوضاع اللاجئين في أماكن لجوئهم، بما يُتيح إلغاء التفويض الممنوح للأونروا”، هذا جوهر الحراك الدبلوماسي الإسرائيلي دولياً.

في ذات السياق، وعلى الأرض، يؤكّد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ضمن فعاليات “همروجته الجماهيرية” العمل بالقانون الإسرائيلي وضمّ كل المستوطنات في الضفة الغربية والقدس، ما يمثّل الإعلان السياسي الرسمي بضمّ الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تعهَّد نتنياهو وخلال حملته الانتخابية بضمّ كافة المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة عبر فرض السيادة اليهودية عليها، وقال خلال افتتاح العام الدراسي في مستوطنة ألكانا الجاثِمة على أراضي المواطنين غرب محافظة سلفيت “تذكَّروا وأنتم في هذا المكان، أن هذه أرض إسرائيل، أرضنا لن نُقتَلع من هنا من أيّ أحد ، سنفرض السيادة اليهوديّة على كافة المستوطنات كجزءٍ من دولة إسرائيل”.

هذه التصريحات والمواقف للحكومة اليمينية المُتطرّفة الإسرائيلية، هي بمثابة إعلان حرب على الشعب الفلسطيني واستمرار النهج العدواني العنصري والتوسّعي بتشجيعٍ ودعمٍ من إدارة الرئيس ترامب في محاولة منهم لتصفية القضية الفلسطينية.

هذا السيناريو “المُبَرْمَج والمدروس” يؤكّد أن الشعب الفلسطيني بحاجةٍ إلى خطواتٍ عمليةٍ وثوريةٍ على الأرض، وأن تبتعد قيادته الرسمية عن السفسطائية الكلامية والإعلامية، وأن تتّخذ قرارات سياسية وطنية من شأنها تعزيز صموده على أرضه وحماية ممتلكاته، وأن ترسم له طريق الخلاص الوطني من خلال روافِع وطنية وجماهيرية تطلق إمكاناته وقُدراته لمواجهة المشروع التصفوي لقضيته وحقوقه المشروعة، لأن الخطر الحقيقي القادم لا يمكن مواجهته بالمواقف الكلامية السفسطائية والخطب الرنّانة والشعارات المُستهلكة الاستعراضية، كما حصل في البيان “الاستعراضي” لحكومة السلطة بإلغائها التصنيفات الخاصة بتقسيم أراضي الضفة الغربية إلى (أ ب ج) حيث اعتبرت من تاريخه كل الأراضي تابعة لها، وستبدأ في البناء والاستثمار وفقاً للمصلحة الفلسطينية!.

خطوة “استعراضية” إعلامية سلطوية ولكن من دون مقوّمات وركائز، فقط للاستهلاك الإعلامي، والدليل على ذلك، أن سلطة نتنياهو لم تكلّف نفسها مشقّة الردّ على “مسرحية سياسية” هدفها “الشعبية الوهمية”، لأن الرد العملي جاء على لسان نتنياهو حين أعلن في بداية أيلول سبتمبر 2019 أن مستوطنات الضفة الغربية والقدس هي جزء من “السيادة الإسرائيلية”.

هذه القرارات الفلسطينية “الإعلامية” لا تأتي أحادية ومُنسلِخة عن جملة الموقف والبرنامج الوطني والجماهيري الشامل والمُتكامِل والمُستند إلى الإجماع الوطني التوافقي وقرارات هيئاته التشريعية، لأنه حينها لا تكون أكثر من “زوبعةٍ في فنجان”، خصوصاً وأن إعلان نتنياهو بات يمثل بداية جديدة لمرحلةٍ جديدةٍ سياسيةٍ تهويديةٍ ميدانيةٍ للأراضي الفلسطينية، خاصة بعد أن تم فرض قوانين جديدة من قِبَل “الإدارة المدنية” في أساليب التعامل مع السكان الأصليين، وهو ما تتجاهله “القيادة الرسمية”، وبدلاً من الذهاب لاتّخاذ قرارات فعل عملية وسياسية خرجت لتشرح أن القرار يمثل خرقاً للقانون والاتفاقات، في الوقت الذي بدأ فيه نتنياهو بتنفيذ الخطة الأميركية “مُسبَقة الصنع” بطريقته الإسرائيلية الخالصة، مُحدّداً “واقعاً سياسيا وميدانياً” جديداً ، وما على السلطة الفلسطينية الا التكيّف معه.

إن موقف السلطة الرسمية الفلسطينية بات واضحاً، لا لخطوة تصعيدية في وجه نتنياهو وسياساته، وإنما الاستسلام للأمر الواقع. ربما كانت الامتيازات الشخصية والفئوية البيروقراطية – “امتيازات بطاقات الشخصيات المهمة” – والنفوذ السلطوي لشريحة السلطة، أهم من امتيازات الشعب الفلسطيني وحقوقه.

أمام هذا المشهد من الحال الفلسطينية الراهنة، حيث الانقسام الداخلي، وتآكل الشرعيات، وتغييب دور منظمة التحرير، وتعطيل مشاريع إصلاحها وتفعيلها، وغياب البرامج الوطنية التوافقية، ووحدة الحقوق المشروعة ووحدة التمثيل للكيانية الوطنية الفلسطينية كمعادل سياسي ومعنوي في ظل الشتات الجغرافي وتعقيدات القضية الفلسطينية وتشابكها مع بُعدها الاقليمي، وانحسارالدور الشعبي والجماهيري وسببه ضعف أداء القيادة السياسي والمجتمعي، تبرز الحاجة الملحّة لتبنّي استراتيجية فلسطينية شاملة، تعمل على استنهاض كل عناصر القوّة داخل المجتمع الفلسطيني وإعادة الاعتبار لقضيته الوطنية.

إن أية استراتيجية وطنية لا بد لها من أن ترتكز على فكرة مواصلة النضال والمقاومة الوطنية بكافة أشكالها، بحيث إذا أخفق مسار كفاحي مُعيّن، يتوجّب تبنّي مساراً بديلاً، وأن يتأسّس برنامج النضال الوطني على فكرة تعزيز صمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وممارسة كافة أشكال المقاومة، والنضال ضد كل تجلّيات سياسات الاحتلال الاستيطانية والعنصرية، وأن تتواكب المقاومة الوطنية الفلسطينية في مساراتها الموازية والمتّصلة على امتداد جغرافية التواجد الفلسطيني في الداخل والشتات.

فإذا كان الهدف المُعلَن لفلسطينيي الأرض المحتلة هو إقامة دولة مستقلة، وكانت مطالب فلسطينيي 48 هي المساواة والعدالة وضد سياسة التمييز العنصري، ومطالب فلسطينيي الشتات هي العودة؛ فإن الاستراتيجية الفلسطينية الشاملة، يجب أن تتضمّن هذه الأهداف العادلة، وتصوغ برامجها الكفاحية على أساسها، بحيث تحافظ على وحدة الشعب من خلال وحدة حقوقه، لأن تهميش أية فئة من فئات الشعب الفلسطيني داخل الوطن أو خارجه سيؤدي إلى تقويض الهوية الوطنية الجامعة.

إن قضية اللاجئين، عموماً، هي جوهرالقضية الفلسطينية، وهم، أي اللاجئين، وبالتحديد طلائعهم في الخارج، الذين أسّسوا حركة التحرّر الوطني الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية وكان شعارها “العودة والتحرير والاستقلال”، الشعار الطاغي في برامج جميع فصائل العمل الوطني.

هذا الحق الاستراتيجي والذي لا يتحقّق إلّا في إطار تحرير فلسطين كلها، وإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة في كل فلسطين التاريخية، ليس ورقة سياسية مطروحة للتنازل أوالمساومة ، لا في إطار “حل الدولتين” الميت سريرياً بسبب تعنّت “إسرائيل” والمواقف الأميركية المنحازة واستحقاقات أوسلو، ولا في ترتيبات حل “الوضع النهائي” للمشروع الوطني الفلسطيني.

لأنه وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، بدأ تهميش حق العودة في الخطاب السياسي الرسمي الذي بدأ يتشكّل، كون الإطار الأميركي-الإسرائيلي الذي ارتكزت إليه هذه الاتفاقات لم يكن قائماً على القانون الدولي فضلاً عن أنه تجاهل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، الأمرالذي يستوجب العمل المنهجي والمُكثّف على تأصيل هذا الحق في الوعي الشعبي وفِي ثقافتنا الوطنية الجامِعة لما يمثله من جوهر أساس للقضية الفلسطينية وهو الحق الذي يجمعنا، بخلاف الحلول السياسية المُتباينة.

إن برنامج “سلام أوسلو” كشف بأن الأونروا ليست في منأى عن الوسط السياسي، وإنما متورّطة في الترتيبات السياسية المحلية والدولية المُتغيّرة، فالتأييد العلني الذي أبدته الأونروا لمفاوضات أوسلو السياسية، وخططها آنذاك والهادِفة إلى “حل” نفسها، والخطوات التي اتخذتها لمساعدة السلطة الفلسطينية في بناء مؤسّسات “الدولة” قبل حل مشكلة اللاجئين، كشف عن الصِلات المُعقّدة بين المجالين الإنساني والسياسي.

لقد عطلّت (أوسلو) منظمة التحرير الفلسطينية وأفرغتها من سلطتها وفعالياتها السياسية، والتركيز السياسي على السلطة وأجهزتها على حساب اللاجئين،- رغم الولاء الذي تظهره السلطة الفلسطينية بشعاراتها لحق العودة، فإنها دفنت هذا الحق تحت عناوين سياسية مُتعدّدة – ما أسهم في نشوء مزاج سياسي تشاؤمي ولا سيما في أوساط اللاجئين في المنفى، في الوقت، الذي استمرت فيه الأونروا كمؤسّسةٍ ترمز إلى المصير السياسي المُعلّق للاجئي عام 1948 وحقهم في العودة المُهمَل والساقِط فعلياً بحُكم المبادئ الناظِمة لاتفاقات أوسلو، ولوجودها كمؤسّسةٍ دوليةٍ لها أهمية بالغة في ظلّ المناخ السياسي الراهِن لأن الأونروا طرف موقّع على كافة قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم194، وبرزت الأونروا- في ظل غياب جبهة وطنية تحتل فيها قضية اللاجئين مكانة مركزية- كمؤسّسةٍ تحافظ على إبراز قضية اللاجئين على الساحة الدولية، وتشير إلى أن ولايتها لا تزال قائمة، والأونروا وفي ظلّ غياب مؤسّسات الدولة، تمثّل الخازِن الأوحد والأهم للذاكِرة الفلسطينية التاريخية لأكثر من سبعة عقود، فقد احتفظت بسجلات اللاجئين منذ مطلع الخمسينات وجمعت ذاكرة مؤسّسية تشهد على هذا التاريخ الجَمْعي.

ومع ذلك، فهذه الأسباب وغيرها لا تبرّئ الأونروا من التلاعُب بها سياسياً من قِبَل القوى الدولية الكبرى ومشاريعها، وهو ما يتطلّب موقفاً مُتيقّظاً من الفلسطينيين حيال توجّهات الوكالة وسياساتها وبرامجها الحالية والمستقبلية.

لذلك، فإن الإعلان من قِبَل السلطة الفلسطينية بانتهاء العمل بالمرحلة الانتقالية واستحقاقاتها، “وليس وقفها” أو “تجميدها”، هو الخيار الوطني الصحيح في مواجهة تداعيات المرحلة ومشاريعها المطروحة وجملة تطبيقاتها العملية وهو البديل السياسي الوطني لصفقة القرن الأميركية.

إن مواجهة صفقة القرن الأميركية وتطبيقاتها على الطريقة “البنيامينية”، تتطلّب التوافق على استراتيجية وطنية شاملة وليست أحادية – (رزمة متكاملة) – تستند إلى حالٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ متماسكةٍ وآليات ميدانية فعّالة، لتصويب العلاقات الائتلافية داخل منظمة التحرير ومؤسّساتها، وإعادة بناء هذه العلاقات على قاعدة الديمقراطية التوافقية والشراكة السياسية، ويتطلّب من القيادة الرسمية الفلسطينية مُغادرة السياسة الانتظارية، وسياسة المُماطلة والتسويف والشروع من دون تردّد بخطوات فكّ الارتباط مع سلطات الاحتلال، والتحرّر من قيود أوسلو من البوابة السياسية أولاً! ومن ثم رديفتها البوابة الاقتصادية، رداً فلسطينياً متناسباً مع جرائم الاحتلال الاستيطانية والتهويدية للأراضي الفلسطيني  والصفقات الأميركية المشبوهة، وتحديد العلاقة مع “إسرائيل” باعتبارها دولة مُعادية تحتل أراضي دولة فلسطين بالقوّة، إلى جانب استنهاض المقاومة الشعبية والجماهيرية بكافة اشكالها، وتطويرها إلى انتفاضةٍ شاملةٍ على كل الأرض الفلسطينية، وعلى طريق التحوّل إلى عصيانٍ وطني شامل، يدفع المجتمع الدولي إلى التدخّل لإلزام دولة الاحتلال باحترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
نحن أحوج ما نكون إلى استراتيجيةٍ وطنيةٍ كاملةٍ ومُتكامِلةٍ كجزءٍ من سياسة الاشتباك مع صفقة القرن، والدخول في حوارٍ وطني شامل لطيّ النتائج المرحلية لاستحقاقات أوسلو فلسطينياً ، ومُتطلّبات تدويل الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية وخوض معاركها في المحافل الدولية.

باسم عثمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى