مقالات

لغتنا العربية وكثرة الصنعة !

 

 

قناة الإباء / متابعة ….

 

 

 

للقديم حرمة في الشرق أكثر مما له في الغرب. فبلاد الشرق هي بلاد السلف، يحكمونها وهم في قبورهم، بآدابهم وتقاليدهم وشرائعهم. وليس للخلف الحاضر الحق في المعارضة سوى الإذعان. وهذا ما نراه على أقصاه في الصين حيث توجد للسلف حرمة تشبه العبادة، ثم نرى هذه الحرمة تضعف بالتدريج إلى أن تصل إلى تخوم أوربا فتكون على أضعفها. وللسلف حرمة عند العرب نرى أثرها في الآداب العربية وهي وإن لم تبلغ عندنا ما بلغته في الصين، فإن أثرها لا يزال بينا في تطورنا البطيء الراهن بل في تطور الأمم العربية الماضية التي كانت تقدس سير أسلافها. ولست في حاجة إلى ذكر صنوف الجمود التي طرأت على الحكومات والهيئات الاجتماعية عند الأمم العربية الماضية، وهي ترزح تحت وطأة الاستعمار طيلة 200 سنة

وهنا أورد نموذجا من أدب ذلك الزمان، يقول ابن قتيبة:

( ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين، فيقف على منزا عامر ويبكي عند مشهد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الدائر والرسم الخالد، أو يرحل على حمار أو بغل فيصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذبة الجواري، لأن المتقدمين وردوا على الأراجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والعرار )

فمن هذه القطعة المقتبسة يدرك القارئ إحدى خصائص الأدب العربي وهي نزعته إلى القديم بما يبلغ حد العبادة. ولذلك نجد الآن من أدبائنا من يترك خياله الشخصي ويقترض خيالات القدماء فيضمها إلى قصائده، بل منا من يبدأ مديحه بالتغزل الكاذب بطيف الحبيب على نحو ما كان يفعل قدماء العرب. ثم منا أيضا من يقصر شعره على المقاصد التي قصد إليها العرب من مديح وهجاء ووصف، لايخلو من ذكر العيس والبيد وقد يكون الكاتب قد عاش طوال حياته في مدينة لم ير فيها العيس والبيد. ربما كانت هذه الخصلة هي سبب كراهة أدباء العرب لأدب الإغريق، لكن نزعة الجمود عند العرب منعتهم من استنان أية سُنة جديدة، ولذلك بقي الشعر في الدولة الإسلامية المتقدمة والمتأخرة كما كان أيام الجاهلية، على الرغم مما طرأ عليه من ترقيق الحضارة.

وخصلة أخرى في اللغة العربية هي الإغراق في الصنعة. وهذه الخصلة بحكم ما ذكرناه آنفا من احترام القديم، لا تزال حية بين أدبائنا. فالمنفلوطي لم يبلغ من الشهرة ذلك المدى البعيد إلا لجمال صنعته وإصراره على دس العبارات القديمة في ثنايا إنشائه، والرافعي والمازني كلاهما لا يبالي بشيء بمقدار ما يبالي بالصنعة. ولو كانت هذه الصنعة في توخي الدقة لما كان الاعتراض عليها، فإن دقة التعبير هي في اعتقادي الغاية في اللغة.

وهي كذلك همُ كل كاتب مخلص يود أن يفضي إلى القارئ بحقيقة فكره ويتعمل لهذا الإفضاء وقلما يبلغ غرضه، وإنما كان القصد من الاستغراق في الصنعة وهو لا يزال إلى الآن قائما على الزينة والبهرجة. وليس من شأن هذه الصنعة أن تزيد الدقة في المعنى أو تقربه للقارئ بل هي تؤدي إلى نقيض ذلك، إذ تشوش ذهنه بألفاظ لا لزوم لها. فهاك ما يقوله العسكري:

( ليس الشأن في إيراد المعاني. لأن المعاني يعرفها العربي والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفاته وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التي تقدمت )

وقال أيضا: ( المعاني مشتركة بين العقلاء فربما وقع المعنى الجديد للسوقي والنبطي والزنجي وإنما تتفاضل الناس في الألفاظ ووصفها وتأليفها ونظمها )

وقال الآمدي في كتاب الموازنة: ( وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأني وقرب المآخذ واختيار الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها. وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد في المستعمل بمثله وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافية لمعناه. فإن الكلام لا يكسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، فإن اتفق مع هذا معنىً لطيف أو حكمة غريبة أو أدب حسن وفائق زاد في بهاء الكلام وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه واتسع غنىً عما سواه )

ومن هذه الاقتباسات يرى القارئ أن الآمدي وأبا هلال العسكري يُعنيان باللفظ أكثر من عنايتهما بالمعنى، وقد صار هذا من تقاليد الأدب العربي، حتى جاء وقت غمرت فيه الصنعة كل شيء وأصبح الأدب مجموعة ألفاظ عالية الرنين سخيفة المغزى والمعنى.

فإذاً هاتان خصلتان، اتسم بهما الأدب العربي من قديم ولكلتيهما أثر في أدبنا الحديث، فإحداهما تمنع الأدب من التجدد وتجعل الأديب يتلفت على الدوام إلى الوراء ويستوحي الماضي بدلا من أن ينظر بعين الرجاء إلى المستقبل، أو بعين الثقة إلى نفسه، والأخرى تدفعه إلى بعثرة قواه في تحفظ الألفاظ الفخمة والعبارات الجزلة وفي اصطناع أسلوب مقترض غير أسلوبه الشخصي، فيذهب المعنى والمغزى فداء لبهرجة سخيفة يؤذي القارئ والكاتب معا. وتضعف في كل منهما ملكة التفكير الصريح النير.

* مقتبس من كتاب البلاغة العصرية واللغة العربية للعلامة سلامة موسى.

 

 

 

د. رضا العطار

 

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى