مقالات

الاسلاميون بين مبادئ محمد (ﷺ) وجُبِّ برايمر(1)

قناة الإبـاء/بغداد

 

منذ اكثر من الف واربعمائة سنة وتحديداً بعدما انتقل الرسول الاعظم ﷺ الى بارئه ، تمكن الإسلاميون تحت ظروف مختلفة من تسنم مقاليد الحكم ، في سابقة لم يعهدوها من قبل حتى وان كان بعضهم زعيماً في قبيلته او كبيراً في قومه ، لكن ان يكون رئيساً للدولة الاسلامية وقائداً عاماً للقوات المسلحة ومبيناً وشارحاً لأحكام الاسلام ، مع قرب زمن التشريع وانشغال الرسول بالمعارك القائمة آنذاك وقلة من فَـقِهَ الاسلام من الصحابة ، وكذلك لم يتركز الدين والعقيدة بعد في النفوس لأن نفوس الكثير ما زالت مجبولة على طباع الجاهلية والعصبية التي تربّوا عليها اجيالا ، خاصة وان بعض الصحابة اعتنق الاسلام على كبر، ولذلك استخدم الرسول  ص معهم التربية الاسلامية والمعلومات بالتدريج ، بل وأراد ان يرسخ في اذهانهم مفهوم القيادة ومستواها وأهميتها وبناء الصفات الشخصية التي ممكن ان تتولى قيادة الامة من بعده . فلم يترك مناسبة الاّ وشدّد على مواصفات تلك الشخصية . وفي نهاية المطاف اراد ان  يعهد اليهم عهداً بتولي الذي يمتلك تلك المواصفات حتى يترسخ الدين في اذهانهم وتقوى بنية الاسلام ويشتد عوده ولكن لم يدعوه يفعل . ولتأصل مفهوم الزعامة والرياضة الدنيوية في اذهان القوم حتى وان لم تكن لديهم المؤهلات الكافية ، جعلهم يتسابقون بل ويتصارعون على خلافة النبي محمد ﷺ مع سوقِهم الكثير من المبررات التي لم يتناولها الكتّاب بالسلب والايجاب والتي ليس هنا محل نقاشها . فلقد كان النظر الى الرئاسة والوجاهة اهم بكثير من التدقيق بمستلزماتهما. وبتوالي الايام اضحت خلافة الرسول ص الشرعية ملكاً عضوضاً تتلاقفها صبيان بني أمية وبني العباس واصبح ابو عمارة ( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب )(2) يقلب كفيه حسرة على ما بُذل من غالٍ ونفيس  في سبيل ارساء قواعد هذا الدين .

ليس ما نكتبه الان ويكتبه غيرنا هو محاكمة التاريخ لأنه صنع لنا أرثاً بائساً فقط ، بل لأنه بانحرافه عن مساره بمقدار كبير ، سنَّ لنا سُنّةً سيئة حصدنا مازرعوا خلالها اشواكاً وادغالاً واصبحنا تتقاذفنا الاهواء ، مرةً شرقيها ومرة غربيها ، وتتكالب علينا الامم ونحن كثرة .

نحن نحاكم التاريخ لأنه عقد عزيمته على تكفير المبادئ والقيم ونحرها على قبلة ميكافيلي، فاصبح سلوكنا ميكافيلياً ، واصبحت عقيدتنا ميكافيلية.

حَتَّى إِذَا أَخَذَت الأَرضُ زُخرُفَها وَازَّيَّنَت وظن اهل بلدنا انهم سيأكلون من فوق رؤوسهم ومن تحت ارجلهم ، بزوال الطاغوت ، خاصة مع تصدي بعض الاسلاميين الذين كنا نعتقد ان تشهد لهم الساحات ، بنبلهم وصدق عقيدتهم ، وحسن سِيَرهم . فكان المتصدون جميعاً ومنهم بعض الاسلاميين ، وكان جُبُّ (برايمر) .

فأما جماعة (برايمر) فكانوا كأخوة يوسف ( الغاية تبرر الوسيلة ) ارادوا هلاكه ولكن ان يهلك هو بنفسه ، بعطش او بجوع او بلسعة او بأي طريقة كانت ، خير من ان يقتلوه بأيديهم ويبوؤا بدمه . وهذا ما فعله (باريمر) بسياسيينا ومنهم بعض الاسلاميين ، اذ ألقاهم في جُبِّ المال والجاه والمنصب الرفيع ، وهو يعلم علم اليقين انْ ما مِنْ قافلة سَيارة تمُرُّ بقربه لينقذوهم ، بل هو يعلم أن ما في الجُب طريق الى التسقيط بل الى السعير إلاّ ما رحم ربي.

ولم يكن المتصدون ومنهم بعض هؤلاء ! كيوسف عليه السلام . لأن الجُبًّ مدرسة استطاع يوسف ان ينجح في اختباراتها خاصة في درسي المبادئ والقيم فخرج من الجُبِّ يحمل في يدٍ شهادة العبودية لله وفي اليد الاخرى ، يحمل الخير والسعادة الى اهل مصر. وأما بعض اخوتنا ، فكان الجُبُّ وبالاً عليهم ، فلم يرسبوا بدرسي المبادئ والقيم فحسب ، بل كانوا عبيداً لذواتهم ،  وللدرهم والدينار  فنكسوا على رؤوسهم في غيابة الجب ولات حين مناص.

(1) بول برايمر، الحاكم المدني على العراق إبان الاحتلال الاميركي .

(2)قول أبي سفيان الذي وقف على قبر الحمزة يرفسه برجله بعد أنْ آل الأمر إلى عثمان بن عفان ويقول له: ((قُمْ يا أبا عِمارةَ إنَّ الذي تُقَاتِلُنا عليهِ أصبحَ بيدِ صبيانِنا، تلقَّفُوها يا بني أميةَ تَلَقُّفَ الكُرَةِ، فوالذي يحلفُ به أبو سفيان ما من جنةٍ، ولا نارٍ، ولا حسابٍ، ولا عقابٍ)

 

 

 **مصطفى الدراجي  

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى