مقالات

دراسة.. العلاقات التركية السعودية (2002 : 2010) | الفصل الاول

قناة الإباء 

بفوز حزب «العدالة والتنمية» في انتخابان 2002 البرلمانية في تركيا، وتمكنه تشكيل حكومة منفردة، بات من السهل وقتها تنفيذ رؤية الحزب وقادته على مستويات ومجالات عديدة، وعلى رأسها السياسة الخارجية التركية، وجوهرها التي اعتمد طيلة سنوات الجمهورية التركية منذ1924 وحتى 2002 على أن تركيا جزء من أوروبا، سواء بالمعنى الثقافي أو الجغرافي أو حتى السياسي والاقتصادي والعسكري، وهو ما كان يُفترض تتويجه بانضمامها للاتحاد الأوروبي، والذي كان وشيكاً في نهاية تسعينيات القرن الماضي. إلا أن هذا الاتجاه في السياسة الخارجية التركية لم يأتي ثماره، سواء بانتفاء الدور التركي الحيوي بالنسبة للولايات المتحدة والغرب في صراعها مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، والتي كانت تركيا تمثل فيه جبهة متقدمة أمام السوفيت، وبالتالي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي لم يكن هناك ضرورة لإدماج تركيا أو بالأحرى انتهى الأمر الذي كان من أجله تم تقريب تركيا واحتسابها على الغرب وأوروبا؛ هذا بالإضافة إلى الإرث الثقافي والوعي الأوروبي تجاه تركيا وما شكلته من مخيلة لدى عموم الأوربيين تجعل مسألة انضمامها للاتحاد الأوروبي صعبة، ناهيك عن الأبعاد السياسية والاقتصادية التي يطول شرحها وفي غير موضع الدراسة. أي باختصار دخلت تركيا الألفية الجديدة وقد أغلق أمامها أي فرصة للتمدد غرباً؛ بمعنى الاندماج مع أوروبا والتأثير في محيطها الحيوي الأوروبي ساء في البلقان أو جنوب غرب أوربا واليونان، وهو يعني أنها خسرت ما يفوق نصف فرصها بمعيار جيوسياسي وجيوستراتيجي متعلق بالمحيط الحيوي وكيفية استغلاله لأي دولة ترى أنه بمقدورها أن تصبح قوة إقليمية فاعلة.
من هذا المنطلق جاءت فكرة التوجه للشرق، والشرق هنا لا يعني فقط المنطقة العربية ولكن أيضاً إلى دول غرب آسيا، ولكن دون خوض في تفاصيل تحديات وفرص هذا الأمر غرب آسيا، فإنه من المهم ضرورة التطرق إلى فرص التوجه التركي ودوافعه إلى المنطقة العربية، وكيفية تعاطي دولها وعلى رأسها السعودية مع هذا الأمر، بالإضافة إلى عرض لأهم المجالات التي أثمرت عن هذا التوجه وقياس فائدته لدى الطرفين وآثارها في هذه الفترة.

يرى رئيس الوزراء التركي السابق، ووزير الخارجية الأسبق، أحمد داوّد أوغلو أن فرص تركيا في منطقة الشرق الأوسط أكبر من فرصها في القارة الأوروبية، سواء الاقتصادية أو السياسية وترجمة هذه الفرص على ضوء من دواعي جيوسياسية وجيواقتصادية، بالإضافة إلى عوامل جغرافية وثقافية عديدة مشتركة. إلا أنه بالإضافة إلى السابق ورؤية أوغلو السابقة فإن هناك دواعي سياسية أهم وما ذكره في كتابه عن السابق لا تفوقها أهمية بل أنها معطيات تحفيزية؛ فأولاً كان توجه تركيا نحو المنطقة من 2002 كحل وحيد أمام انسداد أفق المجال الأوروبي أمامها، كذلك لا ينضوي هذا التوجه عن فائدة اقتصادية فقط قفزت بالاقتصاد التركي في السنوات الماضية نحو أفاق جديدة مربحة، ولكن أيضاً فائدة سياسية أهمها استقواء تركيا بنفوذها المزمع في المنطقة أمام القوى الأوربية، سواء كطرف فاعل في القضايا الإقليمية المتماسة مع القوى الأوربية، أو كظهير ديموغرافي وجيوستراتيجي –والأمر نفسه كان بالنسبة لدول غرب ووسط آسيا من بوابة القومية التركية التاريخية أمام المنافس الإيراني أو الروسي- ولهذا الأمر ما يثمنه كخيار بديل عن التوجه غرباً الذي قوبل بالتجاهل والاستعمال الآني من جانب القوى الأوربية والأميركية، فناهيك عن المقومات الثقافية والتاريخية التي تمتلكها تركيا تجاه المنطقة، فإن هناك مقومات أيدلوجية أيضاً متمثلة في تماهي تيار الإسلام السياسي في معظم البلدان العربية مع تجربة «العدالة والتنمية» في تركيا، بصفة أن الحزب وريث رابح للتجربة الإسلامية هناك، ووصل إلى الحكم عبر الانتخابات.

وبالإضافة للسابق، فإن المنطقة العربية شهدت في مطلع الألفية الجديدة فراغاً استراتيجياً لم تستطع دولها ملئه؛ فكان الأمر مجهزاً لشغل قوى إقليمية أخرى لهذا الفراغ، وبالتالي مع المقومات التحفيزية السابقة لتركيا الخاصة بدول المنطقة وعلاقاتها التاريخية والثقافية والايدلوجية، لم يكن من الشاذ أن تستثمر أنقرة هذا الفراغ لصالحها. هذا بالإضافة أن تركيا لم يكن لينظر إليها في هذا الوقت على أنها منافس إقليمي لأي من الدول المحورية في المنطقة العربية كمصر أو السعودية، بل كان على العكس، كانت تركيا تمثل لبعض هذه الدول فرصة لضبط التجاذبات والتوازنات الإقليمية والدولية، وهو ما كان يتطابق مع ما تريده أنقره التي كانت تطبق سياسية «صفر مشكلات»(هي الركيزة الأساسية للسياسات الخارجية التركية وعلاقاتها بدول الجوار والمنطقة، وجاءت كقاعدة في ذلك الوقت مع صعود «العدالة والتنمية» للحكم) مع دول الجوار، ولهذا لم يكن غريب أيضاً أن تشكل سوريا وقتها معبر أولي وأولوية للسياسات الخارجية التركية واتجاهها نحو المنطقة العربية، ومخاطبة وعي شعوب هذه الدول من على منبر القضايا القومية والإسلامية كقضية فلسطين، وتعزيز الخلفية الأيدلوجية عن «العدالة والتنمية» لدى نُخب وكثير من شرائح هذه الشعوب من بوابة التاريخ المشترك وكذلك الجغرافيا. هذا كله بالإضافة إلى واقع التأثير الاقتصادي وفرص الاستثمار التي لم يكن من الممكن إغفالها من ناحية سوق كبير ومستهلك كالسوق العربي والخليجي، وهو في نفس الوقت ما وفر تعويضاً لخسارة تركيا لحصة مفترضة من السوق الأوربية.

استقبلت السعودية هذه التطلعات التركية بانفتاح لم يشوبه سوى خشية من لعب دور سياسي في المنطقة عن طريق استغلال التشابهات الأيدلوجية بين النظام الحاكم في تركيا ممثلاً في «العدالة والتنمية» وتيارات الإسلام السياسي في المنطقة وعلى رأسها جماعة «الإخوان المسلمين»، إلا أن سوابق التعامل الاقتصادي والسياسي بين تركيا والمملكة لم يكن به هذه النقطة في الماضي، بل أنه يمكن القول أن العلاقات التركية السعودية كانت بها طمأنة واستفادة متبادلة لم تكن لتمنع فرص تطويرها وزيادتها بسبب التخوف السابق الذي كان ينطوي أيضاً على ميزه هامه تتفوق على التخوف السابق وهو ضمان السعودية لثقل “سُني” أمام الخصم الإيراني “الشيعي”، وهنا يرى البعض أن “تركيا توجهت أكثر نحو الشرق الأوسط اقتصادياً، للإفادة من المزية الاقتصادية النسبية التي تملكها أنقره حيال الدول العربية، ولتأمين وارداتها من النفط. بعدها زار الرئيس التركي كنعان إفرين السعودية العام 1984، وفي العام 1985 زارها أيضاً رئيس الوزراء تورجوت أوزال، فاتحين الطريق أمام شركات الإعمار التركية للعمل في المملكة وسوقها الواعدة. وبعدهما، زار رئيس الوزراء سليمان ديميريل المملكة العام 1993 على خلفيات اقتصادية أيضاً. وتغيرت الديناميكيات التي تتحكم في العلاقات الثنائية التركية – السعودية بعد وصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة في تركيا العام 2002، بسبب التخفيف من الطابع العلماني – العسكري لنظام الحكم في تركيا ورغبة الحكومة الجديدة في التعاطي بفعالية أكثر مع قضايا الشرق الأوسط. من وقتها أرست السعودية سياساتها حيال تركيا على قاعدة الاستفادة من ثقلها السني في مواجهة غريمتها الإقليمية إيران، خصوصاً بعد احتلال العراق عام 2003. بالمقابل استمرت الرؤية التركية للسعودية باعتبارها شريكاً تجارياً مربحاً كأساس للعلاقات الثنائية، مع توسيعها سياسياً بهدف تمتين ذلك الأساس الاقتصادي المربح. على ذلك، تأسس «مجلس الأعمال التركي – السعودي» في عام احتلال العراق، و «صندوق الاستثمار التركي – السعودي» العام 2005، ثم تتوج التقارب بزيارة الملك السعودي الراحل إلى تركيا مرتين عامي 2006 و2007”.

فيما يرى البعض الأخر أن تركيا لم تكن هي الطرف الوحيد الذي رغب بتطوير العلاقات مع السعودية، بل أن الأخيرة رغبت في هذا على ضوء ظروف موضوعية تمثلت في “تقليص اعتمادها على القوى العالمية. ولذلك، واصل كل بلد من البلدين إتباع سياسة إقليمية لا تقوم على إقصاء الآخر، وقلل من الاعتماد على الغرب. وبينما اتبعت تركيا سياسة فاعلة لحل المشاكل الإقليمية من خلال الديناميات الإقليمية وجذب دول المنطقة، السعودية على الجانب الآخر سياسة إقليمية تأخذ بعين الاعتبار الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط. ورأت القيادة السعودية أنه إذا تم تهميش تركيا بسبب مبادراتها الإقليمية المتزايدة، فإن أنقرة ستقترب من إسرائيل والغرب، وبالتالي تدير ظهرها لدول المنطقة، وهو الأمر الذي يتعارض مع مصالح الشعوب العربية والمملكة العربية السعودية. الحكومة السعودية أيضا خشيت من إعادة إنشاء تحالف تركي إسرائيلي جديد في المنطقة. فعلى مدار الفترة الكمالية، كانت تركيا كلما حسنت علاقاتها مع إسرائيل والغرب، كلما أدارت ظهرها للعرب. لذلك فإنه من الأفضل للمملكة العربية السعودية تحسين العلاقات والتعاون مع تركيا تحت قيادة أردوغان وإتباع سياسات مماثلة في المنطقة”.

وطبقاً لهذه الزاوية فإنه يمكن القول بأن العلاقات السعودية- التركية كانت اقتصادية بالدرجة الأولى، ولم تتوفر هوامش لأي تطوير للعلاقات السياسية بينهم سواء في التوافق أو الاختلاف لعدم توافر حاجة إقليمية أو دولية، ناهيك عن انتفاء الغرض الثنائي لكل منهما في أن يكون هناك حاجة إلى تطوير هذه العلاقات الجيدة اقتصادياً إلى تحالف سياسي وقتها –إذ كانت رؤية الاستقطاب الطائفي السعودية وقتها في طوّر البداية- كما أن السياسة التركية كانت وقتها تقوم «صفر مشكلات» وفوائدها الاقتصادية، وبالتالي لم تكن أنقرة قد بدأت بعد في هذه الفترة لعب دور سياسي بوصفها قوة إقليمية في المنطقة العربية وملفاتها، وخاصة أن لا تماس يجمعها في هذا السياق مع الرياض أو غيرها من عواصم الدول العربية الكبيرة مثل القاهرة ودمشق ليتفقا أو يختلفا حوله. هذا الأمر أنعكس أيضاً على القفزة الاقتصادية التي شهدتها العلاقة بين السعودية والرياض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى