مقالات

العلاقات بين الرياض وبغداد: تنازلات سعودية ضرورية

قناة الإباء / مقالات 

تمر العلاقات العراقية – السعودية في الآونة الأخيرة بمنعطف مهم وحساس جداً، مرتبط في جانب كبير منه بحراك سعودي استثنائي في توقيتاته وطبيعته وشخوصه. ولعل من بين مؤشرات وحقائق ذلك الحراك، التي برزت بقوة ووضوح خلال الأسابيع والأشهر القلائل الماضية، ما يلي:

1 – استبدال السفير السعودي في العراق المثير للجدل والفتنة ثامر السبهان، بسفير أكثر هدوءا -على ما يبدو- هو عبد العزيز الشمري. علما أن كلاهما ينحدران من خلفيات عسكرية وأمنية، فالسبهان كان ملحقاً عسكرياً في السفارة السعودية في لبنان، قبل أن يصبح سفيراً في العراق، أما الشمري فكان ملحقاً عسكرياً في المانيا قبل أن يحل محل سلفه السبهان.

عبد العزيز الشمري

2 – اتخاذ قرار سعودي بفتح قنصلية في محافظة البصرة، وأخرى في محافظة النجف الأشرف، والشروع بالتحضيرات والاجراءات العملية لهذه الخطوات.

3 – ارسال وفد اعلامي سعودي مؤلف من رؤساء ومدراء تحرير أهم  الصحف والمؤسسات الاعلامية السعودية، الى العراق، واللقاء بكبار الساسة والمسؤولين العراقيين.

4 – الموافقة على اقامة مباراة ودية في كرة القدم بين المنتخبين العراقي والسعودي على ملعب المدينة الرياضية في البصرة، في اطار المساعي المبذولة من أجل رفع الحظر الدولي عن الملاعب العراقية.

5 – اعلان ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز اهداء ملعب دولي للعراق يتسع لمائة ألف متفرج من قبل المملكة العربية السعودية.

6 – الخطوة الأكثر اثارة للجدل والسجال، والشد والجذب، هي الزيارة المفترضة والمرتقبة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى العراق، بناء على دعوة رسمية من رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي. وفي اطار التسريبات الاعلامية حول تلك الزيارة، يقال انها ستتضمن لقاءات مع مراجع الدين في النجف الأشرف وفتح القنصليتين السعوديتين في البصرة والنجف.

يطرح ذلك الحراك غير المسبوق، تساؤلات عديدة تتمحور حول سؤال جوهري، لا يمكن بأي حال من الأحوال القفز عنه أوتجاهله. السؤال هو “هل تشكل تلك الخطوات مقدمات صحيحة ومنطقية لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين بغداد والرياض، وماذا عن حقبة تمتد لعقد ونصف العقد من الزمن، حفلت بمآسي وكوارث وويلات حلت على العراقيين، كانت السعودية وراء الكثير منها؟”.

السفارة السعودية في بغداد

واقع الحال، يشير الى أن الصورة المترسخة في أذهان معظم العراقيين، تتمثل في أن السعودية هي من أرسلت آلاف الارهابيين التكفيريين ليفجروا أنفسهم في الشوارع والأسواق والمدارس والمستشفيات ومحطات النقل، ويزهقوا أرواح الأبرياء ويسفكوا دمائهم، وهي التي لم تتوقف مؤسساتها ومنابرها الدينية عن اصدار الفتاوى التكفيرية التي تجيز-بل توجب- قتل من تسميهم ” الروافض”، في اشارة الى أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام. وهي من أصرت على عدم التنازل عن قرش واحد من ديونها المستحقة بذمة العراق، والتي تعود الى حقبة نظام صدام، بينما بادرت دول عديدة وأغلبها أجنبية الى التنازل عن معظم أو كل ديونها المترتبة على العراق.

المتابع لطبيعة وحجم ردود الأفعال العراقية السياسية والشعبية طيلة الأشهر القليلة الماضية على أنباء زيارة بن سلمان الى العراق، يكتشف بوضوح حقيقة الموقف العراقي من السعودية. وهنا، يتوجّب التوقف عند البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية السعودية مطلع الأسبوع الجاري، ونفت فيه وجود زيارة لولي العهد للعراق، واصفة ما قيل بهذا الخصوص بأنه “شائعات فيسبوكية”. حتى لو كانت بالفعل الأنباء عن الزيارة مجرد شائعات فيسبوكية، فلو كانت ردود الفعل العراقية ايجابية ومرحبة لما تأخرت الرياض عن استثمارها والاستفادة منها، وهي التي تبحث اليوم عن أي شيء يدفعها ويمهد لها الاجواء للاقتراب من بغداد.

ولعل هناك من يقول، اذا كانت السعودية قد أخطأت بحق العراق سابقاً، وتريد اليوم أن تصحح أخطاءها، فكيف لها أن تفعل ذلك وهي تواجه صدّاً عراقياً قاطعاً؟

واقع الحال، وتجارب الكثير من الشعوب والحكومات والدول، تقول ان الحروب والصراعات والنزاعات والخلافات، مهما كانت كبيرة وطويلة فإنها لابد أن تنتهي الى سلام ووئام وتعايش. والعلاقات بين بغداد والرياض ليست استثناء من هذه القاعدة. ولكن، ولكي تكون النتائج مثمرة، وحتى تسير الأمور بمسارات صحيحة، فلا بد ان تكون المقدمات صحيحة وواضحة ومقبولة. فمن غير المنطقي القبول بحقيقة أن السعودية تدعم الارهاب الذي حصد ويحصد أرواح مئات الآلاف من العراقيين الأبرياء، ومتى رغبت بالانفتاح على العراق تفعل ذلك، وتنتظر من العراقيين الترحيب والاحتفاء والتبجيل. بل عليها المبادرة الى مجموعة من الخطوات والاجراءات العملية كاثبات لحسن النوايا، والتكفير عن أخطاء الماضي، والتأسيس لمرحلة جديدة تختلف عن المرحلة السابقة بالكامل. ومن بين تلك الخطوات والاجراءات:

1 – الاعتراف بنهجها الخاطيء في التعامل مع العراق، الذي أدى الى الحاق الكثير من الأذى والضرر بحق العراقيين.

2 – مراجعة الفتاوى التكفيرية الصادرة عن المؤسسة الدينية الوهابية في السعودية، ضد أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام، وايقاف حملات التحريض الطائفي المقيت عبر وسائل الاعلام السعودية التي تتبنى اثارة الفتن والخلافات بين اتباع الدين الاسلامي الواحد.

3 – الاعلان الواضح والصريح عن اسقاط كل الديون المترتبة للسعودية على العراق، والتعهد بتحمل تكاليف ما تسبب به الارهاب التكفيري من دمار وخراب هائل في العراق طيلة عقد ونيف من الزمن.

4 – تعويض ضحايا الارهاب، الذين قتلوا أو أصيبوا أو فقدوا ممتلكاتهم جراء الدعم والتحريض والتمويل السعودي لـ”القاعدة” و”داعش” والتنظيمات التكفيرية الارهابية الأخرى.

اذا أبدت الرياض استعدادها للقيام بمثل تلك الخطوات، وشرعت بها، قبل أن تشرع ببناء ملعب لكرة القدم، وقبل أن يزور ولي عهدها بغداد، فإنها تكون قد خطت الخطوات الصحيحة والمطلوبة نحو العراق، وسوف تجد من يرحب بها ويتفاعل ويتعاطى معها.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى