حقائق قديمة بوجوه جديدة..!

قناة الإباء / مقالات  

206 أحزاب سياسية، وقرابة 30 تحالفاً إنتخابياً، هو ما سجلته مفوضية الانتخابات، لغاية إغلاق باب التسجيل قبل أيام، وهو وضع لا يوجد له مثيل؛ في أي دولة أخرى على الإطلاق، ويبدو ان موسوعة غينيتس للأرقام القياسية غفلت عنه، أو أن أحدا ما لم يتقدم لها بطلب تسجيل هذه الأرقام الاستثنائية.

الحقيقة أن تغيرا كبيرا حصل في العقلية العراقية، وفي كيفية التعاطي مع الشأن السياسي، وتحول الاهتمام بالشأن السياسي؛ إلى أولوية في خطاب واهتمامات الفرد العراقي، فقد بات يتابعه في الصحف والفضائيات المحلية والأجنبية، وفي مواقع الانترنيت إلى درجة تشبه الإدمان، وتحول معظمنا الى محللين سياسيين، واركب سيارة نقل عام «كيا»؛ وأطلق زفرة واحدة و»شوف النتيجة»!

مواقع التواصل الاجتماعي مشتعلة دوما، وكلٌ أصبح عدوا للكل..تعليقات لا تنقطع، وتحليلات بعضها فج، وبعضها ناقم وبعضها مدافع، وبعضها يشتم كل سكان الأرض، وهذا أمر مفهوم؛ إذا ما ربطناه بحجم الحرمان من العمل السياسي لعقود طويلة،

بُعيد زوال نظام القيح البعثي بقليل، كنا نمني النفس بمشهد سياسي يليق بنا، و يتناسب مع حجم العذاب التي تحملناها؛ طيلة تلك العقود،وكنا متفائلين جدا، فأعتقدنا أن تلك العذابات؛ تزرع فينا إرادات مسؤولة، لكنَّ تفاؤلنا المفرط، جعلنا نغفل أن العذابَ المرَّ؛ خلّف فينا أسقاما كثيرة، إنعكست فيما بعد، على المشهد السياسي بعد التغيير.

ما نعيشه اليوم من تخمة سياسية، أدى بالحقيقة إلى قطيعة بين السياسيين والمجتمع، وضخمت وسائل الإعلام بشكل كبير، في هذه التخمة السياسية لدى العراقي، فجعلته يعيش حالة من التوتر والخوف والاضطراب النفسي، جراء الحديث المتواصل في السياسة.

كثافة المتابعة والزخم الإعلامي؛ الذي يتعرض له العراقيون، وتحول النقاش السياسي الى ضجيج صاخب؛ بدخوله في تفاصيل وجزئيات مملة، فضلاً عن عدم وضوح الرؤية السياسية وضبابيتها، كل هذا أنتج واقعا مربكا؛ جعل الشأن السياسي؛ عاملا من عوامل التوتر؛ والقلق النفسي لدى المواطن، فحرمه من ممارسة حياته بشكل طبيعي.

لقد كان قانون الأحزاب فضفاضاً جدا، وصادف أن أوكل أمر تنفيذه؛ الى مفوضية الانتخابات بتشكيلتها الفضفاضة، حيث فتحت أبواب العمل الحزبي، لتشكيل الأحزاب بلا حساب، فكان أن أفاق العراقيون على حقائق قديمة، ولكن بوجوه وأسماء جديدة، وكأن الأمر ليس سوى تغير في الأدوار، وصدمنا بـمشهد سياسي مرتبك ومريب..!

206 أحزاب سياسية، وقرابة 30 تحالفاً إنتخابياً، هي في أغلبها أحزاب افتراضية، تقوم على النخبوية أو الفئوية، أو الطائفية المغلفة بعناوين وطنية،أو على القرابة العائلية أو علاقات الصداقة الشخصية، ناهيك عن أن معظمها، لا يهتم بالمواطن إلا من باب الدعاية الحزبية في أوقات الانتخابات فقط.

المفجع أن كثيراً من الأحزاب القديمة والحديثة، تدعي عداءها لماضي الاستبداد، لكنها تتعامل مع العراقيين، بنفس آليات العمل والتخاطب، التي سادت لأكثر من نصف قرن، عبر التعبئة والترغيب والترهيب، والتضليل والوعود وبيع الأوهام..

كلام قبل السلام: يقول مارتن لوثر؛ لا يستطيع أحدٌ ركوب ظهرك، إلا إذا كنتَ منحنيا …!

قاسم العجرش 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى