إدارة أوباما الراحلة.. واللعب الخطر في الوقت الميِّت

قناة الإباء _مقالات     

كتب/.. عبد الحليم سعود 

أبت إدارة أوباما ـ غير المأسوف على رحيلها ـ وهي تعد ما تبقى لها من أيام قليلة في البيت الأبيض أن تسلم مفاتيحه للرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، دون أن تثير المزيد من المشكلات والأزمات والصعوبات، وأن تهيئ الأجواء لمزيد من العنف والحروب والإرهاب على المستوى الدولي، في محاولة أخيرة منها لتعقيد المشهد الدولي الذي خرجت منه بخفي حنين وسمعة سيئة واستياء معظم حلفاء وخصوم واشنطن على حد سواء، ووضع ترامب في وضع صعب وتحميله وزر ثمان سنوات وأكثر من العبث الأميركي بشؤون العالم.‏

ففي العلاقة مع روسيا أقدمت إدارة أوباما على سلوك مشين لا مبرر له، بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع موسكو وطرد 35 من الدبلوماسيين الروس، تحت ذريعة قيام الكرملين بقرصنة الانتخابات الأميركية والتأثير المباشر بنتيجتها ما أدى لفوز غير متوقع لترامب، وهو اتهام نفته موسكو مرارا، ولم تستطع واشنطن تقديم أي أدلة ملموسة على حدوثه سوى تقارير استخباراتية مفبركة من صنع المقربين من إدارة أوباما.‏

أما في ملف الأزمة والحرب في سورية فقد عادت إدارة أوباما إلى نغمتها القديمة بتسليح ما يسمى المعارضة السورية المعتدلة المتحالفة أصلا مع الجماعات الارهابية المصنفة على لوائح الأمم المتحدة والخارجية الأميركية، وجديدها وعود بتقديم صواريخ دفاع جوي محمولة على الكتف، مقتربة من نفس الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته إدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في ثمانينات القرن الماضي، عندما قامت بتزويد تنظيم القاعدة الإرهابي بصواريخ ستينغر الأميركية كي يستخدمها ضد الطائرات السوفييتية فكانت النتيجة أن استخدمها التنظيم بعد انقلابه الظاهري على السياسة الأميركية ضد الطائرات الأميركية نفسها فيما بعد.‏

المتابع لسير السياسة الأميركية عموما وخاصة سياسة إدارة أوباما الراحلة لن يجد فيها جديدا يذكر، فهي سياسة ترتكز أساسا على الخداع والتضليل والكذب والنفاق والابتزاز ونقض الاتفاقات الدولية لتنفيذ الأجندات الأميركية الخاصة، فتخريب العلاقات مع روسيا ودول أخرى بما فيها حلفاء واشنطن كان جزءا ًمن السياسة الأميركية التي رسمتها إدارة أوباما، ونذكر هنا بالدور القذر الذي لعبته واشنطن في مصر، وكذلك الاتهامات التي وجهها أوباما لحلفاء واشنطن في مجلة ذي اتلانتيك بداية العام المنصرم والتي أثارت زوبعة من ردود الأفعال عليها، إضافة إلى قانون جاستا الذي صوت عليه الكونغرس الأميركي بخصوص مقاضاة مشيخة بني سعود الوهابية على ضلوعها بهجمات 11 أيلول عام 2001 وهي الخادم الوفي والقديم للسياسة الأميركية في المنطقة والعالم.‏

التفسير المنطقي لما أقدمت عليه إدارة أوباما في أيامها الأخيرة تجاه روسيا وسورية والتي يصح القول في توقيتها إنها جاءت في وقت ميت، هو شعور هذه الإدارة بفشل سياستها في المنطقة وتحييد دور أميركا في حل الأزمات الدولية، بعد أن تم استبعادها من اتفاق وقف الأعمال القتالية في سورية قبل أيام، وهي تحاول بهذا السلوك المفاجئ تخريب الاتفاق وتشجيع الفصائل الارهابية التابعة لها على تعطيل بنوده ونقضه عبر وعود بتقديم أسلحة نوعية ومتطورة يمكن أن تؤثر بنتيجة الحرب، والإيحاء لها بأن موازين القوى ستتغير لصالحها، كما يمكن اعتبار الانتصار الكبير الذي جرى في مدينة حلب مؤخرا والذي ساهمت روسيا بصنعه إلى جانب الجيش العربي السوري وبقية الحلفاء سببا آخر لتهور أوباما وإدارته، في حين يبدو جليا أن هذه الإدارة لم تستوعب بعد خسارة مرشحتها لانتخابات الرئاسة هيلاري كلينتون، بعد حملة انتخابية رئاسية غير مسبوقة في تاريخ أميركا، وهي تسعى من خلال هذه الأفعال للانتقام مما جرى ووضع الرئيس الجديد في وضع لا يحسد عليه مع بقية دول العالم وعلى رأسهم روسيا.‏

لكن يبدو أن مخططات أوباما الجديدة ستبوء بالفشل، لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استطاع بحنكته وذكائه تحويل خطأ أوباما القاتل إلى فرصة حقيقية أمام المزيد من تطوير العلاقات بين موسكو وواشنطن مع عزم الرئيس الأميركي الجديد على إعادة بنائها وفق أسس جديدة قائمة على التعاون والاحترام المتبادل، وذلك عندما تعامل ببرودة أعصاب مع خطوة طرد الدبلوماسيين ولم يقابلها بإجراء مماثل، وأما بخصوص تسليح الجماعات الارهابية في سورية بصواريخ دفاع جوي متطورة فقد بات من الصعب عليه الوفاء به بهذه السرعة ما لم يكن قد تم بالفعل، حيث هناك العديد من المطبات أمامه، فمثل هذا السلاح يتطلب تعاوناً تركياً لتمريره وهذا من شأنه أن يفجر العلاقات الروسية التركية بعد التحسن الكبير الذي شهدته مؤخرا، وليس مرجحا أن يغامر أردوغان بعلاقته مع موسكو لإرضاء إدارة انتهت صلاحيتها وحزمت حقائبها للرحيل وهو الذي اتهمها مؤخرا بدعم الارهاب والتدخل في شؤون تركيا الداخلية، إلا إذا كان لديه رهانات أخرى لم يكشف عنها بعد، وفي مطلق الأحوال ربما تتكفل الأيام القليلة القادمة بكشف المستور ووضع الأمور في نصابها.‏

SF  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى