“الطفولة الذبيحة” وفضائيات الفوضى التكفيرية(2)

الاباء / متابعة 

مأساتنا مع الطفولة في سوريا خصوصا وفي العالم الاسلامي عموما هي انها تحولت الى سلعة تجارية تتعامل معها الفضائيات الاستكبارية الغربية والبتروخليجية القارونية وفقا لظاهرة العرض والطلب الرأسمالية الجشعة، حيث لامكان للمبادئ والقيم الاخلاقية لدى التعاطي معها.

واقع الأمر هو ان العالم الاسلامي برمته رجالا ونساء، شيوخا وشبابا واطفالا، يسدد الان ضريبة حرب الشركات الاحتكارية العملاقة الصهيوغربية في المنطقة لإعادة صياغتها حسب احداثيات مشروع “الشرق الاوسط الجديد”.

هي حرب شيطانية بكل معنى الكلمة، يفترش فيها اللصوص الدوليون على ارائكهم المريحة وعلى شواطئهم الدافئة في بلدانهم وفي منتجعات الفساد والخلاعة والعهر في مختلف جزر العالم، بعدما أعدّوا ذوي العقول المتطرفة والذهنيات التكفيرية من الذين تخرجوا من مدارس آل سعود والوهابية الضالة هنا وهناك وعلى مدى العقود الماضية، لممارسة القتل والدمار في بلداننا وضد شعوبنا ذاتها، وليس ضد “اسرائيل” الغاصبة لفلسطين والقدس الشريف مثلا.

اذن هي حرب رخيصة التكلفة للغاية، اذا لم نقل بانها ارخص من “البلاش”. وحتى لو استقدمت الاطراف الاميركية والاوروبية قوات واسلحة، او استخدمت طائرات قاذفة او بدون طيار او رادارات ومعدات حربية متطورة اخرى، فإن نفقات ذلك مستقطعة سلفا من آل سعود وآل ثاني وآل خليفة وغيرهم من الذين بات لعابهم يسيل لجني ارباح مثل هذه الصفقات التجارية الحربية الضخمة عوضا عن المتاجرة في العقارات والبضائع والخدمات في بلدانهم التي مازالت متخلفة اعماريا حتى يومنا هذا.

ومثالنا على ذلك، الكارثة الانسانية التي حلت بحجاج بيت الله الحرام في العام الماضي 1436 هجري ـ سواء في سقوط الرافعة العملاقة على رؤوس الطائفين حول الكعبة المشرفة، او في مجزرة مشعر منى ـ والذي راح ضحيتهما آلاف الشهداء من ضيوف الرحمن. فالمؤكد هو ان هاتين الحادثتين المفجعتين، دليل قاطع على تقاعس السلطات السعودية عن إداء واجبها في حماية أرواح حجيج الأرض، كونها مشغولة في حربها الغاشمة على اليمن منذ آذار2015 وحتى يومنا هذا، ومنهمكة في ازهاق أرواح الأبرياء من ابناء الشعب اليمني وفيهم عشرات الآلاف من الأطفال.

وعلى هذا الاساس يمكن فهم المغزى من قيام خدمة موقع البي بي سي البريطانية والصحافة الغربية الاخرى بتجاهل صورة ظلامة الطفل الفلسطيني الشهيد(عبد الله عيسى) كما اسلفنا في بداية المقال، وتكبيرها وترويجها صوراً عن حوادث قصف اطفال آخرين أقل عنفاً، مثل صورة الطفل السوري الآخر(عمران) التي انتشرت بكثافة مستغربة علما ان هذا الطفل ـ ومع التأكيد على تعاطفنا معه ـ هو حي يرزق لكنه مصاب بكدمات نتيجة بقائه مدة طويلة تحت الانقاض.

العملية واضحة وتندرج في حسابات كواليس “هوليوود”، التي لانشك بأنها ساهمت في الإخراج المتقن لمشاهد الذبح الجماعي الداعشي في ليبيا والعراق ومصر وسوريا.  لأن هوليوود هي أيضا جزء من المنظومة الدعائية الرأسمالية القائمة على تلميع من تشاء وجعله مشهورا حتى وان كان دون المستوى المطلوب بكثير، وحجب بل وإلغاء من تشاء اذا تمرد او تعاكس مع اهواء ” الكبار”.

من الواضح ان المعادلة الاستكبارية تستند الى تضخيم كل تافه وقذر يخدم السياسات الاميركية الاوروبية الإسرائيلية، واحتواء واختزال والغاء كل دور عظيم وحق ساطع وموقف شريف مادام يعرض استراتيجيتها الهيمنية الرأسمالية التوسعية للخطر او حتى للاستنكار والمساءلة.

وفي خضم هذه المعادلة تبدو “الطفولة الاسلامية والعربية” مسحوقة تماما وببشاعة على مستوى المؤسسات العالمية التي تتشدق بالدفاع عن حقوق الانسان. وان ملايين الاطفال الذين راحوا ضحايا نظرية “كونداليزا رايس” ومشروع “الفوضى الخلاقة”،  قتلى وايتاما في سوريا والعراق واليمن وافغانستان وفلسطين، بسبب الحروب الظالمة وعمليات القصف العشوائية، والتفجيرات الإنتحارية الغادرة، والتشرد الملاييني  وقوارب الموت، والجوع والعطش والحر والبرد، وأخيرا وليس آخرا استخدامهم كإنتحاريين في تفجير الأهالي الآمنين في الميادين والأسواق،  سيظلون يكيلون اللعنات الى الأبد على المؤججين الرئيسيين لهذه الحرب التكفيرية الشاملة، من المتاجرين الدوليين والاقليميين بأرواح الأبرياء، وهم اصحاب قواعد العرض والطلب ومبدأ “نفّعني وانفعك” وفتاوى وعاظ السلاطين التي تقول “لاضير من الفداء بعدد من البشر لأجل الصالح العام” وما الى ذلك من الجرائم البشعة.

* حميد حلمي زادة

sf 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى