جرابلس والدواعش الذين تبخروا

الاباء / متابعة 

جعل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من مدينة جرابلس ، خنجرا مغروسا في خاصرة سورية ، على مدى السنوات الماضية ، بعد ان سهل احتلالها من قبل الدواعش وباقي العصابات التكفيرية ، على امل ان تكون نواة للمنطقة الامنة التي كان يحلم بإقامتها في حلب.

كلنا يتذكر خطابات اردوغان وقادة حزبه حزب العدالة والتنمية ، والتي كانت تتمحور على ضرورة اقامة منطقة عازلة شمال سوريا ، لاسكان اللاجئين السوريين ، وكذلك خطاباتهم حول محاربتهم للارهاب التكفيري وعلى راسه الارهاب الداعشي ، بينما كل الحقائق على الارض كانت تؤكد اطماع تركيا في حلب ، وكذلك كانت تؤكد حجم التواطؤ التركي الفاضح مع الدواعش والقاعدة وجميع العصابات التكفيرية الاخرى في سوريا.

بعض قادة الغرب والعرب والمسلمين ، الذين تحالفت بلدانهم ضد سورية ، وشاركوا في الجريمة المستمرة منذ خمس سنوات ضد الشعب السوري ، كانوا يؤكدون ليل نهار ان الرئيس السوري بشار الاسد راحل لا محالة ، وكانوا يحددون لرحيله مواعيد مختلفة ، وكان صاحب اقصر هذه المواعيد الرئيس التركي اردوغان ، حتى ان بعض بطانته وضعوا اسابيع لرحيله كحد اقصى.

“ثقة” اردوغان “الاكيدة” برحيل الاسد ، كانت تنطلق من معرفته بالعدد الكبير للمسلحين الذين تدفقوا الى سوريا عبر حدود تركيا ، وكذلك لمعرفته بنوع الاسلحة المتطورة التي تم تسليح المجاميع التكفيرية بها من قبل امريكا وبعض الدول الخليجية وتركيا ، وكذلك لمعرفته بحجم الاموال التي كانت تنهال عليهم من السعودية وقطر ، فكل هذه الامكانيات الضخمة ، لم تكن كفيلة باسقاط الحكومة السورية فحسب ، بل باسقاط سورية من الوجود ، وتحويلها الى دويلات قومية ومذهبية متصارعة.

لكن وبعد مرور خمس سنوات على الحرب المفروضة على سورية ، انقلب السحر على السحر ، فلم يحقق اردوغان حلمه باقتطاع حلب من سوريا ، ولا اسقاط الحكومة السورية ، بل ان الخطر انتقل الى عقر داره ، واصبحت تركيا هي المهددة بوجودها وبوحدة اراضيها وبامنها ، بعد ان انتقل “الدواعش” للعمل في الداخل التركي ، وشهدت تركيا العديد من التفجيرات الارهابية التي اودت بحياة المئات من الابرياء ، وبعد ان نجح اكراد سورية في فرض هيمنتهم على شمال سوريا ، وانتلقوا الى الضفة الغربية من نهر الفرات وحرروا مدينة منبج ولم يتبق سوى بلدتي جرابلس والباب للوصول الى عفرين  اقصى نقطة في شمال غرب سورية ، وبذلك سيفصل الاكراد بين تركيا وبين الجماعات المسلحة على مختلف اطيافها ومن ضمنها “داعش” والقاعدة ، داخل سورية.

الكابوس الذي قضّ مضجع اردوغان ، لم يكن الخوف على حياة العصابات التكفيرية ، بل هو الكيان الكردي في شمال سورية الذي اخذ يتبلور شيئا فشيئا دون ان يتمكن اردوغان من فعل اي شيء عبر المجاميع التكفيرية ، لذلك قرران يتدخل بجيشه وقواته الخاصة ودباباته ومدرعاته هذه المرة في سورية ، فكانت معركة “تحرير” جرابلس!!.

قبل الغزو التركي لسورية عبر بوابة جرابلس ، انقلب الخطاب التركي 180 درجة ، فالمستمع لخطابات اردوغان وقادة حزبه ، يشعر وكأن الاتراك لم يشعروا بخطر “داعش” الا اليوم ، ولم يعرفوا ان جرابلس هي في قبضة “داعش” الا اليوم ، كما ان وحدة التراب السوري اصبحت في ليلة وضحاها امرا مقدسا وخطا احمر للاتراك ، ولن يسمحوا بتجزئة سورية.

الملفت ان انقلاب اردوغان على سياسته السابقة ازاء ما يجري في سورية ، كان استعراضيا بشكل فاضح ، وبان ذلك في طريقة “تحرير” اردوغان لجرابلس من مسلحي “داعش” ، فالدواعش “تبخروا” حتى قبل ان يصل الجيش التركي ، ولم تنقل اي وسيلة اعلامية محايدة افلاما او صورا عن “الاشتباكات” التي وقعت بين الجيش التركي و بين الدواعش.

لم تمر ساعة واحدة على دخول الجيش التركي للاراضي السورية ، حتى تم محاصرة الدواعش في جرابلس من اربع جهات ، وبعد اقل من ساعة تم اعلان تحرير المدينة ، وكأن الجيش التركي قد  خصص ممرات امنه للدواعش للخروج من جرابلس ، اما للانتقال الى داخل تركيا او الى بلدة الباب ، ليكونوا ذريعة مناسبة للجيش التركي من اجل التقدم نحو تلك البلدة ، قبل ان يحررها الاكراد!!.

ما حصل من “تحرير” لجرابلس في وقت قياسي ، ومن اختفاء و”تبخر” الدواعش في لحظات ، يجعلنا نشكك في نوايا اردوغان  ، الذين يحاول الظهور هذه الايام بمظهر النادم ازاء ما فعل بسوريا وبشعبها على مدى خمس سنوات ، وما يعزز هذه الشكوك ، رفضه الى الان اي تنسيق عسكري مع الحكومة السورية ، ضد الجماعات التكفيرية وفي مقدمتها “داعش”. 

المصدر : شفقنا

sf 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى