الانقلاب العسكري الفاشل يغير المسار التركي

مضماران متوازيان يمثلان مسار ظاهرة الارهاب المتجسد بأبشع صوره في الوقت الحاضر بتنظيم داعش: سياسي وعسكري. وفيما يتبادل المتحاربون في سوريا والعراق المواقع، مع ترجيح طفيف لصالح حكومتي البلدين، يتواصل السجال السياسي خارج حدود الشام ابتداء بدول الجوار وصولا لمضامير التنافس على اعلى منصب في العالم، رئاسة الولايات المتحدة الامريكية. هذا السجال لا يتوقف في دائرتين اخريين: الاولى عالم السياسة في العالمين العربي والاسلامي، والثانية الفضاء الديني فيهما. ومع ان السجالات ضرورة لتوضيح المواقف وتحديد السياسات الا ان الحضور الميداني هو الاساس لتحديد مستقبل ظواهر التطرف والارهاب والصراع الايديولوجي والديني والمذهبي. وفيما تستمر مدينة حلب تحت الحصار وترتفع الصيحات للسماح بعبور حملات الاغاثة يبدو الوضع السوري ساحة للسباق ليس ضمن حدود الشام فحسب بل في الساحات المذكورة ايضا. ويتطرق هذا السجال تارة للسياسات الحالية المرتبطة بالمشروع الامريكي المتهالك تحت مسمى “الحرب ضد الارهاب” واخرى حول أثر سياسات الدول في مواجهة هذه الظاهرة، وثالثة حول التحالفات المطلوبة لانهاء هذه الحقبة من التاريخ الاسود لعالم القرن الحادي والعشرين.

فليس جديدا القول بوجود صراع اقليمي على النفوذ بين السعودية وايران، فهذا امر واضح ليس منذ انتشار تنظيمات القاعدة وداعش وبقية فصائل العنف، بل منذ انتصار ثورة ايران قبل اكثر من 37 عاما. هذا السجال يتخذ في بعض الاحيان ابعادا مزعجة وغير متوقعة، واخرى يبدو “عتابا” او “نقدا” او “شجبا“. فحين يتهم سركوزي، رئيس حزب المحافظين الفرنسي، الرئيس اولاند بالتقصير في مواجهة ظاهرة التطرف والعنف في بلاده، وما نجم عنها من اعمال ارهابية حصدت ارواح العشرات، يتضح بعض الابعاد الخطيرة للظاهرة، وآثارها على التماسك الوطني في البلدان “الديمقراطية” التي يفترض انها تجاوزت اساليب “كسر العظم” عند الاختلاف السياسي. وحين يوجه دونالد ترامب سهامه الحادة لمنافسته الديمقراطية، هيلاري كلينتون، ويتهمها بالتقصير في مواجهة تصاعد الظاهرة عندما كانت وزيرة الخارجية في الادارة السابقة للرئيس اوباما، يتضح كذلك ليس عمق مشاعر الانزعاج فحسب، بل عجز السياسيين عن انتهاج سياسات فاعلة للتعاطي مع الظواهر التي تهدد الامن والسلام الدوليين. وحين توجه القوى الديمقراطية ونشطاء حقوق الانسان العتاب لزعماء “العالم الحر” لدعمهم الاستبداد وخيانتهم حقوق الانسان والتخلي عن الاصلاح السياسي في الدول التي تحكمها “انظمة صديقة” يضاف بعد آخر لازمة عالم اليوم. وفي هذا السياق، ثمة قضايا عديدة تؤكد هذا العجز، برغم ما يبدو من تطور الاداء السياسي لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتقفز قضية فلسطين الى الواجهة لتتحدث بطلاقة ووضوح عن العجز الدولي ازاء الاحتلال والعدوان برغم مرور قرابة السيعين عاما. ويتعمق الغضب العربي والاسلامي حين يتكشف يوما بعد آخر تصاعد ظاهرة التطبيع مع الاحتلال، وتهميش قضية فلسطين في الوجدان الشعبي العربي والاسلامي، والانشغال بالاحتراب الداخلي وتمزيق الجسدين العربي والاسلامي وفق خطوط التمايز العرقي والديني والمذهبي.

السجال لا ينحصر باللوم المتبادل، وان كان ذلك يعكس واحدا من امرين: اما غياب الاستراتيجية المناسبة لمكافحة العنف والارهاب او وجود تواطؤ دولي مع هذه الظاهرة التي تخدم سياسات عديدة اقليمية ودولية. كما ان الاهتمام بظاهرة الارهاب او داعش لا تحكمه المواقف “المبدئية” ازاءها، بل ان التطورات السياسية الاخرى غير المرتبطة بالموقف الايديولوجي تنعكس على المواقف والسياسات للدول المعنية. فمثلا حتى وقت قريب كانت السياسة التركية مؤسسة على امور ثلاثة: الاولى المطالبة بتغير النظام السوري، الثانية: دعم المجموعات المناهضة له، واغلبها يحمل السلاح ضد النظام، والثالثة، العمل ضمن التحالف الغربي خصوصا انها عضو بحلف شمال الاطلسي (ناتو). الرئيس التركي هندس سياساته وفق ما يعتبره “مواقف “مبدئية” مؤسسة على البعد الديني والمذهبي وكذلك على الحسابات السياسية المرتبطة بالعلاقات و التحالفات مع القوى الاقليمية والدولية. وكثيرا ما طرحت التساؤلات حول الظاهرة التركية خصوصا بلحاظ الخصوصية الدينية لهذا البلد الكبير الذي نشأت منه امبراطورية كبرى حكمت العالم الاسلامي قرونا، والتاريخ السياسي الذي امتد اكثر من سبعة عقود بعد سقوط آخر الخلافات الاسلامية والذي هيمن عليه العسكر، والانكفاء على الذات طوال تلك العقود. فكيف اصبحت تركيا لاعبا اساسيا في مضمار سوريا المعقد؟ والملاحظ ان انقرة، برغم ذلك، التزمت قدرا من الاعتدال النسبي طوال السنوات الخمس الماضية التي كانت من اكثر الحقب تعقيدا، وسعت للالتزام بسياسة تطالب بالتغيير في سوريا ولكن مع عدم القطيعة مع الاطراف التي تبنت سياسات مختلفة خصوصا ايران. تلك السياسة أثمرت اخيرا حين تعرضت تركيا لاخطر محاولة انقلابية منذ انقلاب كنعان ايفرين في 1980. فقد تميزت ايران بموقفها الرافض للانقلاب منذ لحظاته الاولى، وفي تلك الليلة كان وزيرا خارجية البلدين على تواصل مستمر حتى فشل الانقلاب، وأكد ذلك وزير خارجيتها الاسبوع الماضي بقوله ان نظيره الايراني اتصل به اربع او خمس مرات في تلك الليلة للاطمئنان على وضع الحكومة والتأكد من فشل الانقلاب. الايرانيون اعلنوا رفضهم لانقلاب كمبدأ اولا وكحالة خاصة في تركيا ثانيا. بينما كان الغربيون ينتظرون نتائج تلك المحاولة الفاشلة بدون ان يرفضوها بشكل قاطع. اردوجان يعرف ازدواجية المعايير الغربية وغياب المبدئية في سياسات ضفتي الاطلسي، خصوصا ازاء قضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. كما يعرف الرئيس التركي عدم واقعية التعويل على السياسة الغربية حول قضايا المنطقة، وانه سيدفع ثمن ذلك ان لم يستوعب تلك الحقائق. فالغربيون لم يرفضوا الانقلاب العسكري على التجربة الديمقراطية في الجزائر في العام 1992، ذلك الانقلاب الذي كان من نتائجه قتل قرابة 200 الف جزائري على مدى السنوات العشر اللاحقة. ذلك الموقف الغربي ساهم في انتشار ظاهرة العنف والقتل بالاساليب الوحشية التي اصبحت مألوفة اليوم في الدول المبتلاة بالارهاب. ولم يكن الموقف الغربي من الانقلاب العسكري في مصر افضل، بل وقف الغرب متفرجا امام ما كان يجري من قتل وسجن لآلاف المصريين، ومن بينهم الرئيس المنتخب. ووقف الغربيون متفرجين امام الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على لبنان وغزة، ولم يلتزم بموقف سياسي رافض للعدوان.

يمكن القول ان محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرضت لها تركيا اصبحت نقطة تحول في السياسة الخارجية التركية. وزاد في تصلب الموقف التركي من الغرب الاصرار الاوروبي على رفض عضويتها في الاتحاد الاوروبي. ويتوقع ان تتصاعد الانتقادات الغربية لانقرة في ضوء الاعتقالات التي طالت الآلاف من المتهمين بالتورط في المحاولة الانقلابية الفاشلة. وقد شعر اردوجان بمرارة شديدة بعد ان أفشل محاولة اسقاطه عسكريا وسط صمت الحلفاء الغربيين، وتعمق هذا الشعور بعد ان ارتفعت الاصوات الغربية المنتقدة للسياسة الامنية التي انتهجتها انقرة باعتقال الانقلابيين. ومن المتوقع ان ترفع مجددا يافطة “حقوق الانسان” من قبل اولئك الحلفاء الذين يمارسون سياسات انتقائية مكشوفة. فهي سيف يستخدمونه بشكل انتقائي وليس وفق مبدأ ثابت. فحقوق الانسان لدى الغربيين اصبحت نسبية، فقد يقلبون الدنيا حين يعتقل شخص من قبل نظام “غير صديق“، ولكن الصمت يصبح سيد الموقف حين تكتظ سجون الدول الصديقة بسجناء الرأي. وقد عبرت تركيا عن غضبها بأشكال عديدة: اولها التوجه نحو روسيا والتفاهم معها بشأن الوضع السوري، خصوصا انها اصبحت لاعبا اساسيا في ارض الشام، ولا يمكن تجاوزها في ضوء اصرار الرئيس بوتين على مواصلة حربه الخاصة ضد الارهاب. وجاء التفاهم الاخير الذي تم الاسبوع الماضي بين موسكو وأنقرة ليزيد الوضع تعقيدا من جهة وليعيد ترتيب اوراق اللعبة السورية والتحالفات المرتبطة بها من جهة ثانية. فالتقارب مع روسيا يتبعه تقارب مع ايران، وبذلك يمكن تصور قيام محور فاعل بموازاة المحور الذي تقوده امريكا. ومع الاعتراف بان الاعتماد على روسيا يجب ان لا يكون امرا مطلقا، فان سياسة تعدد المحاور خيار معمول به من قبل الدول الحرة في اتخاذ القرار.

قد لا يتفق المرء على سياسات اردوجان، ولكن هناك سمة مميزة لها: انها في اغلبها منسجمة وليست متناقضة، كما هي سياسات الغرب وبعض الدول العربية. فتركيا وقفت مع ثورات الربيع العربي، حتى مع ما حدث في البحرين. ونسب له قوله في 15 مارس 2015 : “لا نريد كربلاء اخرى في المنطقة والاحداث الاخيرة في البحرين قد تؤدي الى عواقب مشابهة لكربلاء”. وحذر رئيس وزراء تركيا من عواقب تدخل قوات درع الجزيرة في الشان الداخلي البحراني الوخيمة. هذا في الوقت الذي لم ينطق احد من الساسة الغربيين بموقف واضح آنذاك. وتركيا رفضت الانقلاب العسكري في مصر من اللحظات الاولى حتى الآن. تركيا لم ترفع الشعار الطائفي، بل بقي اهلها، بمشاعرهم المتباينة، متعايشين، سنة وشيعة وعلويين، مسلمين ومسيحيين. وكانت الحكومة التركية قد رفضت المشاركة في الحرب الانجلو – امريكية على العراق في 2003. ورفضت انقرة المشاركة في الحرب على اليمن التي تقودها السعودية، بينما قام بعض الدول الغربية بدعم ذلك التدخل ووفر المعلومات الاستخباراتية والصواريخ والقنابل الموجهة والخبراء للجانب السعودي. تركيا اليوم تقف على مفرق طرق، بين استمرار تجربتها الديمقراطية او العودة للحكم العسكري، بين الدفع نحو دورها السياسي والعسكري في الشرق وترك المطالبة بعضوية الاتحاد الاوروبي، او الاصرار على تلك العضوية وتحقيق ما يفرض عليها من املاءات وشروط، وبين مد الجسور مع الانظمة السياسية المنسجمة معها ايديولوجيا او معاداة تلك الانظمة ودفع فواتير ذلك في شكل انهار دماء لا تنضب، واخيرا بين مد الجسور مع قوى الاصلاح والتغيير في المنطقة او غض الطرف عنهم ومد الجسور مع جلاديهم ليس في سوريا ومصر فحسب، بل في البلدان الاخرى ايضا. والامل ان يكون الانقلاب الفاشل العامل الحاسم لدفع النظام التركي للانتماء الكامل للامة والمشاركة في صياغة مستقبل يحقق لها الحرية والقوة والتماسك وينهي الاستبداد والتطرف والارهاب. 

 المصدر : شفقنا 

sf

  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى