مقالات

أردوغان يلوح بالمشانق وهيبة الجيش مكسورة

قد لا تتكشف قريبا حقيقة ما جرى منذ مساء الجمعة حتى انكسار «الانقلاب الغامض» بعد ذلك بساعات. شيئان مؤكدان الآن، أن هيبة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اهتزت بقوة، تماما كحال المؤسسة العسكرية التي نُكِّل بأفرادها وضباطها في الشوارع، وطأطأ جنود الجيش رؤوسهم امام مسلحي النظام، وامام عدسات الكاميرات ليشاهدهم كل العالم.

لا اردوغان غدا سيكون مثلما كان قبل ساعة الصفر لمحاولة الانقلاب الغريبة، ولا الجيش الذي ظل يوصف بأنه حامي علمانية الجمهورية التركية، سيكون مهاب الجانب بعد اليوم. سيحتاج اردوغان الى سلسلة من الخطوات القاسية لترميم نفسه، وسلطته. التلويح بعودة المشانق قريبا، يبدو الآن الخيار الامضى للرئيس المتباهي بسنوات حكمه الطويلة، والمتهم بالبطش بكل خصومه، في الميادين الإعلامية والسياسية والبرلمانية والحزبية والعسكرية والامنية والاقتصادية.

انقلاب الهواة يوم الجمعة وسرعة اندحارهم، سيوفران لاردوغان كل الذخيرة التي يحتاجها للتنكيل بمن سيقف امامه بعد اليوم. لم يتعود اردوغان التراجع امام خصومه الداخليين، وكل التقديرات تشير الى انه سيذهب بعيدا في اقتلاع مَن تبقى منهم.

وسيظل العديد من الاسئلة المحيرة بلا اجوبة شافية. لماذا تأخرت واشنطن في التنديد بالمحاولة الانقلابية. لماذا لمَّح وزير العمل التركي سليمان سويلو الى دور اميركي في «المؤامرة»، ما استدعى نفيا من وزير الخارجية الاميركي جون كيري؟ ولماذا تأخرت العواصم الاوروبية الكبرى بالتنديد بالمساس بديموقراطية الحكم في انقرة؟ باريس التي انتقدت امس عمليات التطهير والقمع التي يقوم بها اردوغان، اغلقت يوم الاربعاء الماضي سفارتها في انقرة وقنصليتها في اسطنبول لاسباب امنية لم توضحها! ولماذا انتظر حلف شمال الاطلسي ساعات حتى انجلاء رجحان كفة اردوغان فجر السبت، ليخرج ببيان يؤيد شرعية مواجهة الانقلاب؟

وحتى الآن، تُردِّد السلطة التركية معزوفة تورط الزعيم الاسلامي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، وذلك منذ الساعة الاولى لـ«التمرد ـ الانقلاب» ليل الجمعة، لكن الصورة الحقيقة لمنفذي الانقلاب لم تتضح بعد ثلاثة ايام على بدء المسلسل التركي الخاطف. اردوغان يحث انصاره على البقاء في الشوارع حتى يوم الجمعة المقبل لان التهديد لم ينتهِ! لكن كثيرين يتساءلون، مَن خَطَّط للانقلاب؟ ولماذا ظهر للجميع منذ الساعات الاولى ان الانقلابيين لم يُحكِموا الإمساك بزمام الامور؟ وكيف ظلت غالبية وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي شغالة؟ وكيف يُنَظَّم انقلاب في بلد كتركيا من دون ضمان مشاركة قطاعات اساسية في الجيش؟ وكيف تسنى لقوات الشرطة وبمساندة مسلحين موالين للحزب الحاكم، ان تهزم العسكريين في اكثر من موقع؟ وكيف يمكن لعاقل ان يقدم على محاولة انقلابية ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وجميع الوزراء يتجولون احرارا؟ الاسئلة المحيرة كثيرة، وهي لا تتوقف هنا، ولا يعتقد انها ستتوقف في الايام والاسابيع المقبلة.

لكن من بين الخلاصات الاولى ان «السلطان» اردوغان، المطعون في هيبته، سيعود اكثر سطوة. وكما اظهرت المشاهد الكثيرة الآتية من تركيا، ان انصار اردوغان من الاسلاميين مارسوا الكثير من عمليات التنكيل والقتل، وان القوة الانقلابية، لم تظهر الحزم الكافي امام مَن يُفترض بها اقتلاعهم في دولة تمدد فيها اردوغان وانصاره في مختلف ميادين البلاد. لكن ليلة الجمعة، ستترك ندوبا كثيرة في الجسم التركي، ولعل المشانق ستفتح المزيد من الجروح في ذاكرة الاتراك، ولن تكون شافية للاحتقان الذي اعتمل في جسد هذه البلاد طويلا.

والى جانب حملة الاعتقالات التي طالت اكثر من ستة آلاف شخص، من الجنود والضباط والقضاة والمدعين العامين، توعد اردوغان بعودة عقوبة الإعدام التي يفترض انه توقف العمل بها في تركيا منذ العام 1984. وكأن احفاد عدنان مندريس يعودون الآن بعد خمسين سنة، للانتقام لإعدامه من قبل الجيش!

اردوغان

مخاطبا انصاره في اسطنبول الذين طالبوا بإعدام الانقلابيين، قال اردوغان «كحكومة وكدولة، نحن نصغي لطلبكم هذا ولا يمكن ان نتجاهله.. في (دولة) ديموقراطية، ما يطلبه الناس سيحصلون عليه.. ولا يمكن ان نؤخر كثيرا هذا القرار، لأنه في هذه البلاد، على من ينفذون انقلابا ان يدفعوا الثمن».

واضاف الرئيس التركي: «اعتقد ان حكومتنا ستبحث الامر مع المعارَضة، وسيتم اتخاذ قرار بلا ادنى شك».

وتعهّد اردوغان بالقضاء على «الفيروس» المُنتشِر داخل الدولة في إشارة إلى «الكيان الموازي» التابع للداعية فتح الله غولن. وأوضح: «سنُواصل تطهير كل مؤسسات الدولة من الفيروس… هذا الفيروس ويا للأسف، مثل السرطان، انتشر في الدولة برمتها». وأكد اردوغان أنه ستتمّ مراسلة الولايات المتّحدة وأوروبا عن طريق وزارتَي العدل والخارجية للمطالبة بغولن وأتباعه، مشيراً إلى أن الدولة التركية والحكومة ستتمكّنان من «الدخول إليهم في جحورهم وأوكارهم كما فعلت مع عناصر حزب العمال الكردستاني».

وطالب اردوغان أنصاره بمواصلة الاحتجاج على محاولة الانقلاب في الشوارع والميادين العامة حتى يوم الجمعة، قائلاً إن التهديد الذي يُواجهه «لم ينتهِ تماماً».

وكان غولن يشكك بـ «صدقية» الانقلاب، مرجِّحاً أن يكون «انقلاباً مُفتعلاً من تخطيط أردوغان لتثبيت حُكمه وتوجيه اتهامات قضائية واستهداف جمعيات». وقال لصحيفة «نيويورك تايمز» الاميركية امس الاول إن «بعض القادة يُدبِّرون هجمات انتحارية وهمية لتعزيز دعائم حكمهم، وهؤلاء يسري في مخيلتهم مثل هذا النوع من السيناريوهات».

وقال غولن: «بصفتي شخصا عانى في ظلّ انقلابات عسكرية عدّة خلال العقود الخمسة الماضية، فإن من المهين للغاية أن أُتَّهَم بأن يكون لي أي صلة بمثل هذه المحاولة. أنفي مثل هذه الاتهامات بشكل قاطع».

ورداً على اردوغان تسليم غولن، قال كيري إن واشنطن ستُقيّم «الطلب الرسمي المرفق بالأدلة، الذي ستُقدِّمه تركيا بخصوص استعادة غولن»، مشيراً إلى أنّ بلاده «لا تُخفي أحداً، وأنها تنتظر من أنقرة أدلة دامغة تُثبت تورّط غولن في محاولة الانقلاب، كي تقوم بإعداد الأرضية القانونية لعملية الإعادة».

وأضاف كيري أن التلميحات العلنية بوجود دور للولايات المُتّحدة في الأمر «خاطئة تماماً» وتُضرّ بالعلاقات، وذلك بعدما لَمَّح وزير العمل التركي سليمان سويلو إلى أن واشنطن لعبت دوراً في «المؤامرة».

حملة «تطهير»

وحتى الآن، قُتل اكثر من 290 شخصا في محاولة الانقلاب وفق ما اعلنت الخارجية التركية. واوضح البيان انه قتل «اكثر من مئة انقلابي و190 من مواطنينا» على الاقل.

اكثر من ستة آلاف معتقل حتى الآن، بينهم أكثر من 1500 في صفوف الجيش، بينهم عقداء وجنرالات. ومن بين المعتقلين قائد الفيلق الثالث في الجيش إردال أوزتورك، وعضو المحكمة الدستورية ألب أرسلان ألطان. كما تم إيقاف قائد القوات الجوية التركية السابق، الجنرال أكين أوزترك، وقائد عام الجيش الثاني اللواء آدم حدوتي، ورئيس أركانه عوني آنغون، في ولاية ملاطية وسط البلاد.

ومن بين المعتقلين ايضا آلاف القضاة والمدعين العامين. ومن بين المعتقلين كبير المُستشارين العسكريين للرئيس التركي علي يازجي. وتمّ توقيف جنرال رفيع المستوى في سلاح الجو هو بكير ارجان فان و12 ضابطاً في قاعدة «انجرليك» (جنوب) التي يستخدمها «التحالف الدولي» بقيادة واشنطن في غاراته ضدّ «داعش» في سوريا والعراق. وأوقفت الشرطة التركية، سبعة من العاملين في قيادة القاعدة الجوية الثالثة في ولاية قونية (وسط) بينهم قائد الطلعات الجوية مصطفى إرتورك.

قلق دولي

ومع أن كبريات العواصم العالمية عبّرت عن دعمها لاردوغان «المُنتخب ديموقراطياً»، فإنها أبدت قلقها من طريقة استغلال الانقلاب من قبل أنقرة.

وذكّر الرئيس الأميركي باراك أوباما تركيا «بالحاجة الحيوية» إلى أن يتصرّف جميع الأطراف المعنيين «في إطار دولة القانون» بعد محاولة الانقلاب.

وطالب وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت بـ «احترام دولة القانون» في تركيا، معتبراً أن الانقلاب لا يُعطي «شيكاً على بياض» للرئيس التركي من أجل تنفيذ حملة «تطهير»، وهي مخاوف لم يُشاركه إياها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي «امل في العودة إلى النظام الدستوري والاستقرار سريعاً»، طالباً من أنقرة تأمين سلامة السيّاح الروس.

ورأت وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي فيدريكا موغيريني أن «احترام القانون ودولة القانون والديموقراطية يُشكّل أفضل وسيلة لمواجهة الصعوبات التي تعيشها تركيا مع الحرب على حدودها ومأساة الإرهاب وضرورة تعزيز الانسجام الاجتماعي والحوار السياسي».

ودعا وزير خارجية النمسا سيباستيان كورز أنقرة إلى الابتعاد عن «سوء استخدام» الانقلاب الفاشل و «عدم منح التعسّف تفويضاً على بياض». 

S_A

صحيفة السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى