مقالات

آفاق الدور الأمريكي في سوريا، أوهام تحرير الرقة

 منذ بداية الأزمة السورية اتخذت أمريكا قراراً حاسماً بعدم الانخراط العسكري المباشر في المستنقع السوري، والاكتفاء بدور اللاعب عن بُعد الذي يحرك الخيوط عبر وكلائه الاقليميين وأذرعهم من الجماعات المسلحة في سوريا. وبالنسبة للتحالف الستيني الذي أعلنته أمريكا لقتال تنظيم داعش الارهابي والقضاء عليه، فبقي دوره محدوداً ومقتصراً على القصف الجوي لبعض المناطق في سوريا والعراق، دون أن يلحق ضرراً معتداً به بالتنظيم الارهابي أو يمنع من تمدده. لذلك كان التدخل العسكري الأمريكي في معركة الرقة وارسالها لقوات برية ومدربين عسكريين أمراً مستغرباً لدى العديد من الأوساط التي تساءلت عن جدوى التدخل الأمريكي المباشر في تفصيل صغير على خارطة الأزمة السورية الواسعة بعد كل هذا الاستنكاف طوال خمس سنوات من عمر الأزمة.

للأمريكيين تجربة مريرة مع الحروب المباشرة التي شنوها خلال العقدين الأخيرين، حيث خسرت القوات الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق أكثر من 7 آلاف من جنودها، وبلغت التكلفة المادية للغزو الأمريكي للعراق وحده أكثر من 800 مليار دولار، في الوقت الذي تسبب هذه الحروب في تعزيز الصورة السلبية للدولة الأمريكية، وتصاعد موجة الكراهية ضدها.

واليوم تعود أمريكا مجدداً للانخراط العسكري المباشر في معركة تحرير الرقة، وذلك من خلال دعم قوات سوريا الديموقراطية، وارسال مستشارين وقوات مشاة لتدريب هذه القوات، الأمر الذي قوبل بكثير من التشكيك حول جدية أمريكا، وأهدافها الحقيقية من هذه الخطوة.

هناك الكثير من العوائق تقف أمام تحقق الهدف الأمريكي من معركة الرقة، فما تشيعه أمريكا ووسائل الاعلام التابعة لها عن أن التحالف بين وحدات الحماية الكردية ومقاتلين من العشائر العربية ضمن قوات سوريا الديموقراطية هي التي تتقدم باتجاه الرقة، ليس كلاماً دقيقاً، من حيث أن العمود الفقري لهذه المعركة هم الأكراد، والدور العربي لا يتعدى دوراً اعلامياً، في ظل الاختلاف في الإيدئولوجيا والأهداف بين المقاتلين العرب والأكراد.

كما أن هناك حالة تململ شعبي في الوسط الكردي من معركة الرقة، فالأكراد لا يرغبون بزج أبنائهم لقتال داعش في معقله الرئيسي، ويرون أن معركتهم الحقيقية هي بالتوجه من مدينة عين العرب (كوباني) غرباً نحو اعزاز وصولاً إلى عفرين وتشكيل الفيدرالية الكردية في “روج آفا”، كما أن هناك مخاوف كردية من محاولة توريط قواتهم وزجها في معركة استنزاف طويلة الأمد، وإنهاكها، بغية وضعها في مأزق عسكري وسياسي، وابتزازها، ومن ثم احتوائها كلياً؛ فالأكراد لايبدو أنهم يصدقون أن أمريكا قد تقامر بعلاقتها مع تركيا وتستمر في التنسيق مع قوات الحماية إلى نهاية اللعبة، وهم يتحسبون من أن يتحولوا إلى كبش فداء في سياق عملية تحرير الرقة.

هذا القلق الكردي من النوايا الأمريكية هو ما يفسر الاندفاعة الكردية نحو روسيا التي تقوم بدعم أكراد عفرين، حيث وفرت لهم الاسناد الجوي للتقدم نحو الشرق (باتجاه كوباني) والسيطرة على مدينة تل رفعت في ريف حلب الشمالي، فبالنسبة للأكراد تبدو روسيا أكثر وفاءا من أمريكا بتحقيق طموح الأكراد بتكوين الفيدرالية، خاصة في ظل توتر العلاقات الروسية التركية.

عائق آخر يمنع الأمريكيين من تمكين وحدات الحماية الكردية من تحرير الرقة يتمثل بالحليف التركي، حيث أعلن الجانب التركي أكثر من مرة أن واشنطن وعدت بعدم السماح للأكراد بتجاوز غرب الفرات. ويرى مراقبون أن سبب ارسال أمريكا 300 من جنودها في سد تشرين على نهر الفرات هو التخفيف من الحساسية التركية ازاء تمدد وحدات الحماية الكردية في المنطقة.

السعودي من جهته غير راض عن الاندفاعة الفردية للأمريكي في الرقة من دون اشراك الجماعات المسلحة التي تدعمها السعودية في المعركة بما يكسبهم ورقة ضغط في المفاوضات أمام النظام السوري، كما يرون أن أمريكا ومن أجل انجاح مهمتها في الرقة ستضطر لكسب موافقة الروسي والذي سيطلب بالمقابل اطلاق يد روسيا لضرب جبهة النصرة في إدلب وريف حلب وريف دمشق، وبالتالي ضرب العمود الفقري للجماعات المسلحة، واضعاف موقفها في جولة المفاوضات القادمة.

من جهة أخرى لا يرغب الأمريكيون بالطبع بأي تصادم عسكري مباشر بينهم وبين الروس، الذين دعموا مؤخراً الحملة العسكرية التي يشنها الجيش السوري باتجاه مطار الطبقة العسكري والاقتراب من الرقة من جهة الجنوب الغربي. وقد حذرت تقارير صحفية من مواجهة بين الطرفين نتيجة السباق للوصول للرقة وقد قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن هناك مخاوف من تحريض روسي أمريكي متبادل، قد يصل إلى مواجهة بين البلدين أثناء الجهود التي تتم الآن لتحرير مدينة الرقة.

الحملة الاعلامية المكثفة التي رافقت التدخل الأمريكي في الرقة تهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز مواقع الديموقراطيين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، ولا وجود لمعركة حقيقية حتى الآن، حيث لم يحصل حتى الآن أي تصادم يُعتد به بين القوات التي تدعمها أمريكا وقوات تنظيم داعش الارهابي، فيما اقتصرت مكاسب قوات سوريا الديموقرطية على بعض القرى فحسب.

بناء على ما سبق يمكن القول بأن هناك الكثير من المتناقضات تكتنف المعركة التي تشنها أمريكا لتحرير مدينة الرقة من قبضة تنظيم داعش الارهابي، مما يجعل هذه المعركة غير واضحة النتائج ومحاطة بكثير من الابهام، وهناك انطباع سائد لدى المراقبين بعدم وجود الإرادة الجدية لدى أمريكا لاتمام المهمة، ويبدو أن هناك مساعٍ أمريكية متعمدة  لتطويل الحدث والاستمرار في اعطائه بعداً اعلامياً، يقدم أمريكا على أنها ذات دور ريادي في مكافحة الارهاب ويخدم تحشيد الأصوات في الداخل الأمريكي في المعركة الانتخابية الرئاسية.

فالانخراط العسكري الأمريكي في معركة الرقة والدور الذي تضطلع به هناك، لن يكون إلا كسابقاته في ساحات الحروب الأخرى (أفغانستان – العراق – ليبيا…) من حيث التدخل ضمن نطاق إدارة الأزمات وليس حلها، والسعي للمزيد من خلط الأوراق وخلق متناقضات جديدة ومحاولة الإمساك بكل خيوط الصراع، وإنهاك الجميع واحتوائهم بما يتماشي مع المصالح الأمريكية. ومن هنا لا يبدو تحرير الرقة على يد الأمريكيين قريب المنال. sf 

المصدر : الوقت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى