مقالات

بماذا يفسّر تجاهل المجتمع المصري في أمر بهذه الأهمية؟

الموضوع صادم والشكل مهين. كانت تلك خلاصة انطباعى حين قرأت فى عناوين صحف الأحد ١٠ أبريل أن مجلس الوزراء المصرى أصدر بيانا قرر فيه أن جزيرتى تيران وصنافير سعوديتان وليستا مصريتين. إذ ليس سهلا أن يستيقظ المرء ذات صباح ليفاجأ بأن ما تعلمه فى المدارس وما وقع عليه فى الخرائط وما قرأه فى النشرات السياحية وما ردده المطربون فى بعض الأغانى، ذلك كله غير صحيح.

وتقترن الدهشة بالصدمة حين يجد أن الاكتشاف المثير ورد فى بيان لمجلس الوزراء وكأنه إحدى فقرات الاحتفال بزيارة العاهل السعودى. أعنى أنه ليس ثمرة جهد الباحثين من أجل التحقيق والعلم ولكنه قرار انفردت به السلطة وباغتت به الجميع فى سياق الحفاوة بالزائر الكبير. حتى ان صحيفة «نيويورك تايمز» حين نشرت الخبر فى اليوم ذاته (١٠/٤) صاغته على نحو يختلف عما أبرزته الصحف المصرية. فكان عنوانها كما يلى: مصر تهدى السعودية جزيرتين تعبيرا عن الامتنان.

لست فى وارد تحقيق الواقعة وحسم الجدل الذى فجره القرار فى أوساط عموم المصريين، ذلك أن حسم الأمر يتطلب إحاطة بخلفيات الموضوع وأسانيده التى لا تتوفر لى. وإن أثار انتباهى فى هذا الصدد أن حديث البعض منصب على المراسلات التى تمت مع السعودية بخصوص الجزيرتين فى خمسينيات القرن الماضى، فى حين لم يشر أحد إلى وضعهما قبل إقامة المملكة السعودية فى عام ١٩٣٢، حيث كانت كل خرائط المرحلة السابقة تدرجهما ضمن الحدود المصرية. ومن المؤسف أن القرار السياسى وضعنا أمام أمر واقع، بحيث أضعف كل دور للبحث والتحقيق، الذى لم يعد له جدوى، بل صار من قبيل الثرثرة فى الموضوع التى لا تقدم ولا تؤخر.

بقدر ما كان عنوان إعلان القرار المفاجئ صدمة لى ولغيرى، فإننى شعرت بالإهانة حين قرأت عنوانا آخر تصدر الصحفة الأولى لصحيفة الأهرام فى اليوم التالى (١١/٤) ذكر أن القاهرة أطلعت تل أبيب على الموضوع ،وان الاتصالات المصرية الإسرائيلية كان محورها توقيع اتفاقية تعيين الحدود البحرية فى خليج العقبة، وما يترتب على ذلك من آثار تمس معاهدة السلام الموقعة بين مصر و”إسرائيل” عام ١٩٧٩، ذلك أنى شعرت بغصة حين وقعت على هذا الكلام، إذ أدركت ان السلطة المصرية لم تخف الأمر عن الشعب المصرى فحسب، وإنما أطلعت الإسرائيليين عليه قبل عدة أسابيع من إعلانه فى القاهرة. ذلك ان توجيه الرسالة إلى الحكومة الإسرائيلية التى يفترض أنها تولت دراستها لانها تقتضى تعديلا فى معاهدة ١٩٧٩. وذلك أمر ينبغى أن يتم من خلال الكنيست، ثم رد تل أبيب على السلطات المصرية، هذه الإجراءات لا تتم بين يوم وليلة وتحتاج إلى بعض الوقت. وإذا علمنا أن المداولات بين مصر والسعودية حول موضوع الجزيرتين مستمرة منذ شهر يوليو من العام الماضى أى منذ نحو تسعة أشهر، فلن نبالغ إذا قلنا إن الحكومة الإسرائيلية ربما علمت بالموضوع قبل مجلس النواب فى مصر وقبل إطلاع الرأى العام المصرى على الخبر.

استهولت هذه النتيجة، التى ولدت عندى مجموعة أخرى من الأسئلة التى منها ما يلى: بماذا يفسر تجاهل المجتمع المصرى فى أمر بهذه الأهمية؟ وما هى الجهة المصرية التى تصدت لبحثه وأصدرت قرارها بشأنه؟ وهل هذه الجهة مؤهلة علميا وتاريخيا لحسم الأمر على ذلك النحو؟ وما قيمة توقيع الاتفاق وإعلانه ثم عرضه على مجلس النواب؟ وأما كان ينبغى أن يناقش الأمر فى لجنتى الأمن القومى والشئون العربية على الأقل قبل الإعلان؟ وحين تفاجأ الدولة بالقرار، كيف سيكون موقف ائتلاف دعم مصر أو مجموعة حماة الوطن؟ وألا يعنى ذلك أن الدولة ومؤسساتها تم تجاهلها فى الموضوع وإن السلطة وحدها، أو إحدى حلقاتها الضيقة هى التى تعاملت مع الملف؟ ثم هل انفراد حلقة السلطة الضيقة بالقرار مقصور على موضوع تعيين الحدود البحرية مع السعودية، أم أنها تتبنى نفس السياسة إزاء ملفات أخرى؟

لم أتخلص من الغصة والشعور بالإهانة منذ وقعت الواقعة يوم الأحد الماضى. لذلك لا أخفى تضامنا مع سيل التغريدات والتعليقات الغاضبة التى تداولتها مواقع التواصل الاجتماعى. وأزعم بأنه كان يمكن تجنب كل ذلك لو أديرت الأزمة على نحو أكثر ذكاء ورصانة بحيث أشرك المجتمع فى الموضوع ولم يتم تجاهله، ولو اتسم إخراجه بكفاءة تحترم الرأى العام، وتعطى انطباعا بأن فى البلد أناسا لهم ذكر، وأن زمن الفراعين الذين يتحكمون فى المصائر ويصنعونها قد طويت صفحته.

sf

المصدر : الشروق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى