مقالات

انتصارات دمشق – بغداد.. وهواجس الثالوث الشيطاني

حين اعلنت روسيا عن سحب طائرات ومعدات عسكرية من قاعدة حميميم في ريف محافظة اللاذقية شمالي غربي سوريا، على الرغم من تأكيد موسكو استمرارها في استهداف التنظيمات الإرهابية في سوريا، هللت القنوات المناوئة للحكومة السورية (تركيا، اسرائيل، السعودية) وبدأت بحرب نفسية اعلامية مفادها ان روسيا تخلت عن الاسد، متناسين عمدا بقية حلفاء الحكومة السورية الشرعية الفاعلين على الارض.

وانبرى مرة اخرى الجبيرالذي كان قد صرح من قبل ان الرئيس السوري لا مكان له في عملية انتقالية محتملة، وإنه سيرحل بموجب تسوية سياسية أو سيتم إجباره على ذلك بالقوة، ليرحب بالخطوة الروسية واصفا اياها ” بالخطوة الايجابية للغاية” ، متأملا أن يجبر الانسحاب الرئيس السوري الشرعي بشار الأسد على تقديم تنازلات.

واما الكيان الصهيوني فقد قال موقع والاه الإستخباري الإسرائيلي حينها: إن روسيا وإسرائيل لديهما مصلحة مشتركة في سوريا، بعدم وقوع إشكاليات بينهما فيها، بجانب المصالح الاقتصادية المشتركة، دون أن يكون ذلك بديلا عن التحالف مع الولايات المتحدة، معتبرا أن الانسحاب الروسي من سوريا يشكل مصلحة لـ”إسرائيل”.

بينما اعتبر المراسل العسكري بالموقع (أمير تيفون) أن قرار الانسحاب الروسي المفاجئ من سوريا، يشكل مناسبة جيدة لـ”إسرائيل” أن تعرف مكانتها الحقيقية لدى موسكو.. ونقل عن وزير الاستخبارات السابق دان مريدور: أن الروس لديهم مصالح حقيقية في علاقات إيجابية مع “إسرائيل”، ورفض ما يتردد في “إسرائيل” من القول إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوي، ونظيره الأميركي باراك أوباما ضعيف.

واما تركيا التي ضيقت العمليات الجوية الروسية في سوريا منذ أيلول/ سبتمبر الفائت من هامش مناورتها وأضر بمصالحها هناك بشكل بالغ.. فقد رأى الكثيرون أنها فرصة ذهبية لاستثمار “الانسحاب الروسي” من سوريا للتدخل المباشر وفرض “المنطقة الآمنة” التي تنادي بها بشكل فردي، أو لتغليب كفة المعارضة على النظام في الجبهة الشمالية تحديدا.

على الرغم من كل هذا، كان الموقف التركي الرسمي حذراً اكثر من الباقيين بسبب العمق التاريخي لقراءة المستجدات، والبراغماتية التركية المتبقية رغم التصدعات التي احدثها اردوغان من خلال سياساته الفردية.

فقد تفهمت تركيا أن روسيا باقية في سوريا، وهي مجبرة على ذلك بفعل المصالح التي فرضت نفسها بنفسها.. وهو ما يعني أن شيئا كثيرا لم يتغير على مستوى القرار التركي إزاء سوريا، حتى وان قررت سحب جزء من سلاحها من هناك، وأن موقف الولايات المتحدة والناتو وغيرها لازال قائما في الابعاد الاستراتيجية.

بينما جاء موقف مايسمونهم بالمعارضة السورية موازيا للفكر السعودي في السطحية والتبعية، بشكل صرح حينها سفير الائتلاف السوري السابق في قطر “نزار الحراكي”، ان روسيا تود الخروج من المأزق السوري بصفة المنتصر، أي الذي حقق أهدافه وليس بالضرورة انتهاء المشكلة أو الصراع”.

بينما رأى أحمد رمضان” عضو ما يسمى بالائتلاف السوري المعارض ورئيس حركة العمل الوطني من أجل سورية في تصريحه لـ”هافينغتون بوست عربي”: أن “القرار الروسي خطوة في الاتجاه الصحيح، واكد ان صمود الشعب السوري ونجاحه في كسر موجة التدخل الخارجي، وفشل محاولات إنقاذ الأسد ونظامه”، (حسب تعبيره).. وطالب بانسحاب جميع من سماهم بالقوات والميليشيات الأجنبية من سورية، وفي المقدمة منها الحرس الثوري الإيراني والميليشيات التابعة له!

لكن لابد علينا ان نسأل لماذا هذا الارباك السعودي ومن تدعمهم من ممن تسميهم بالمعارضة السورية (جيش الفتح) في تصوراتها للاحداث؟ ولماذا هذا الترقب والحذر التركي مما يجري في سوريا؟ ولماذا هذا النوع من القراءة المشوشة للكيان الصهيوني للمشهد الكلي؟

من هنا علينا ان نقول: اولا، ان ما يجري في العراق لا ينفصل بتاتا عما يجري في سوريا، وان القراءة الروسية الايرانية لايمكن لها ان تفصل مابين الاثنين، ولذلك نرى بموازات ذلك تشكيل مركز معلوماتي دولي رباعي ما بين بغداد وموسكو وطهران ودمشق، لتداول المعلومات في بغداد للكشف عن مواقع داعش، والذي سيؤدي إلى رفع درجة نوعية الضربات وفعاليتها، حسب الفريق سيرغي كورالينكو ممثل روسيا الرسمي في المركز المعلوماتي ببغداد.

واما تركيا فهي تخشى من بقاء الحكومة السورية، لانها سوف تخسر كل الاوراق التي راهنت عليها، والتي تتلخص بسط نفوذها العثماني على الشام من خلال استلام الاخوان المسلمين للسلطة في دمشق، ومن ثم احيائها لمشروع خط الغاز من السعودية وقطر الى الداخل التركي ومنه الى اوروبا.. وهذا ما يمكنها من التخلص من استخدام الروس لهذه الورقة في الضغط عليها اولا، وكذلك سوف يساعد اوروبا في النجاة من هيمنة الطاقة الروسية على  قراراتها ثانيا، ويمهد لها الارضية لدخولها السوق الاوروبية التي لطالما حلمت بها تركيا ثالثا، وارضاء امريكا من خلال توفير الامن لاسرائيل بضرب المقاومة في سوريا وعزل حزب الله في لبنان ومصادرة الجولان من قبل “اسرائيل” والى الابد دون اي رادع، والحد مما يسمونه بالنفوذ الايراني في المنطقة، وكل هذا في الاساس يصب في صالح “اسرائيل” وامريكا ويضر بالمصالح الروسية والمقاومة.

واما الكيان الصهيوني فهو يتوجس الخيفة من دحر الارهاب (داعش واخواتها) في كل من دمشق وبغداد، لان ذلك يعني ان المقاومة سوف تُحيط بها من كل الاطراف، وان مسئلة تحرير الجولان المحتل ومزارع شبعا وعلى رأسها فلسطين سوف يكون مسئلة وقت وحسب، لان انتصار سوريا والعراق يعني عودتهما بقوة على الساحتين الاقليمية والاسلامية.

لكن التخوف والهاجس السعودي هو مختلف عن كلا هذين النظامين.. فهو اكبر بكثير وعواقبه على ال سعود اشد مضاضة، وذلك لاسباب بسيطة تتلخص في ان الشعب العراقي لم ينس الحصار الذي فرضه مجلس التعاون وخاصة السعودية عليه بعد تحرير الكويت، حيث منعوا حتى حليب الاطفال عن الشعب العراقي (اكرادا وعربا وسنة وشيعة).. ثم ان السعودية هي التي مولت الامريكيين بالمال ووفرت لهم القواعد لاحتلال العراق، وهي التي اسست القاعدة وداعش لتدمير العراق وسوريا، ويداها ملطخة بدماء العر ب المسلمين وغيرهم في طرابلس وصنعاء وبغداد ودمشق، ناهيك عن سياسة القمع وخنق الحريات التي تستخدمها ضد الشعب السعودي في الداخل.. فكيف اذا نهض هؤلاء من ازمتهم واستعادوا عافيتهم؟

لذلك من الطبيعي ان نراها لازالت تراهن على تقسيم العراق وسوريا ببث الطائفية (وكأننا نحسب الوهابية جزءا من السنة او العكس!)، ودعم الارهابيين بلا استثناء في هذين البلدين، واما لبنان فقد بدء يمر بثلاث مراحل، منع الهبة عسى ان يحرضوا الداخل اللبناني واشعال حرب داخلية في لبنان، ومن ثم تصنيف حزب الله في خانة الارهاب، والخطوة التالية وهي اخطر تسفير واخراج كل من سمتهم بالمتعاطفين مع حزب الله، وهذا سوف يشمل جميع اللبنانيين مسيحيين وسنة وشيعة عسى تشعل النار مما تبقى من لبنان وربما تبدأ المفخخات بعد ذلك لا سمح الله، وليس هذا وحسب، بل ان الملاحض يرى زيادة قساوة قصف ال سعود للابرياء في اليمن.. وهم يعلمون ان يوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم، وان هذا الثالوث الشيطاني نسى او تناسى قوله تعالى “ويمكرون ويمكرالله والله خير الماكرين  . s.a

المصدر : العالم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى