مقالات

عن أزمة رئاسة بارزاني ودعواته للانفصال؟!

علاء الرضائي

التجربة التي خاضتها المنطقة الشمالية من العراق (اقليم كرىستان) لم تكن استثناءً في طبيعة واداء وسلوك اغلب الانظمة التي حكمت المنطقة العربية منذ سايكس بيكو والتقسيم الذي فرض على المنطقة استعمارياً.

ومع كل الشعارات التي رفعها الأكراد خلال عقود من كفاحهم ضد الحكومات المركزية (الدكتاتورية) في العراق.. الّا ان الطبيعة العشائرية التسلطية والاستعبادية لم تختف من اداء وسلوك معظم القياديين الأكراد، بل أكثر من ذلك تعززت في مرحلة ما بعد 1991 واشتدت بعد 2003 …. مدعومة بالمال والسلاح والدعم الاجنبي الغربي والدفع من بعض الانظمة الاقليمية بأتجاه اضعاف العراق وتنفيذ مشروع تقسيم المنطقة، الذي تستهدف فيه “اسرائيل“ والسعودية المربع الذهبي في المنطقة (ايران، تركيا، العراق وسوريا)..

ورغم كل ما دخل الخزينة الكردستانية (او بالاخرى جيوب القادة الأكرد) من خيرات العراق، لاتزال واحدة من أهم مشاكل المواطن الكردي هو انتظام دفع المرتبات الشهرية التي طالما تبجج رئيس الاقليم الكردي بأنها بسبب سياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي.. فبعد سنتين تقريباً من نهاية رئاسة المالكي، اشتدت الأزمة المالية مع ان كردستان تصدر يومياً ما بين 700 – 900 ألف برميل نفط يومياً..

وعلى الجانب السياسي، اشتد الصراع بين اركان السلطة واحزابها والتي يهيمن الحزب الديمقراطي (البارزانيين أو البارتي) على أهم مفاصلها.. فالسيد مسعود بارزاني رئيس الاقليم الذي لا يقبل ان يتنحى عن منصبه رغم نهاية ثلاث ولايات وهذه احدى جوانب الأزمة وهو الذي استكثر الثالثة على المالكي في بغداد خوفا من الدكتاتورية ـ حسب زعمه ـ وابن شقيقه ادريس، السيد نجيرفان بارزاني رئيس حكومة الاقليم وابنه (ابن مسعود) السيد مسرور بارزاني رئيس جهاز الأمن القومي الكردي الذي ورث الباراستن ووزير الخارجية العراقي السابق ووزير المالية الحالي هوشيار زيباري هو خال (شقيق ام) السيد مسعود بارزاني… وهو اي بارزاني يمسك بشريان الاقتصاد الكردستاني من خلال الهيمنة على المعابر الاساسية للأقليم مع تركيا وايران وأهم الشركات العاملة فيه.

هذا لا يعني بالطبع ان الأخرين من طالبانيين وكوران واتحاد اسلامي وجماعة اسلامية و…الخ، ملائكيين ومنزهين، لكن الحالة البارزانية لا يمكن وصفها.. فكل من يعترض يقصى حتى لو كان رئيس البرلمان (اي راس السلطة التشريعية) والذي منع من دخول عاصمة الاقليم (أربيل) لانه صرح ضد الحزب الديمقراطي.. واي صحفي ينتقد “بشدة” يقتل ويسجل التحقيق على ذمة مجهول.. ومن يتظاهر ضد مقرات الحزب البارتي يطلق عليه الرصاص!

وهذه الدكتاتورية والعشائرية ليست جديدة، فهي متجذرة في هؤلاء الذين على استعداد ان يتعاملوا مع الشيطان لتحقيق اهدافهم الشخصية.. كما تعاملوا مع الشاه والسعودية والقوى الغربية والشرقية والموساد.. وكما استعان السيد مسعود بارزاني عام 1996 بقوات صدام حسين للقضاء على أخوة الـ”خه بات” اي النضال.. وقد اسرت قوات صدام حينها رئيس الجمهورية الحالي فؤاد معصوم الذي كان رئيسا لبرلمان كردستان.. ولم يطلق سراحه الا بضغوط غربية وتهديدات!

نعود الى الأزمة السياسية والاقتصادية في كردستان والتي تبحث عن حلّ منذ اكثر من سنة بسبب تمسك السيد بارزاني واسرته بمقدرات الاقليم ومحاولاته اعتبار الاخرين احزاب ومواطنين ضيوفا على كرم ومكرمات آل بارزاني.. لذلك فان آفاق حلّ الأزمة غائبة وما يطرحه السيد مسعود هو هروب الى الامام.. وفي مقدمة ذلك الاستفتاء على “تقرير المصير” او بالعبارة الواضحة والصريحة “الانفصال” عن الجسد العراقي وبانتظار تقسيم باقي دول المنطقة ليكمل السيد مسعود “بازل” مملكته الكردية!

ونتيجة الاستفتاء ان لم تكن 100% فانها لن تقل عن 99.9% لصالح الانفصال لسبب واضح وهو الشحن القومي والسياسات الشوفينية المعتمدة في الاقليم ضد شركاء الوطن الاخرين من عرب وبمراتب ثانية تركمان واخرين على مدى 25 سنة ومنذ 1991.. يكفي ان تزور الاقليم الكردي ليومين لتعرف حقيقة ما اقول وكيف يتعامل ضباط وجنود السيطرات الكردستانية مع العراقي الوافد من الوسط والجنوب.. فكل مشاكل الاقليم معلقة على شماعة العرب والمالكي، حتى الارهاب الذي تستضيف بعض رموزه أربيل!

وحلم الانفصال والدولة الكردية ليس حكرا على برزاني، بل يشاركه فيه كل السياسيين الأكراد الآخرين ممن يحملون افكارا اممية او اسلامية او عشائرية.. وقد جرى فرض هذا “الحلم” على أرض الواقع من خلال تكوين جيش مستقل من العصاة (البيشمركة) مدعوم غربيا وعربيا وصهيونيا على مستوى التسليح والتدريب والمعلومات والتغطية الاعلامية، لا يخضع للقيادة العامة للقوات العراقية بل تديرها اربيل وواشنطن.. ونشاط دبلوماسي مستقل وغامض ومشبوه في كثير من الاحيان.. اقتصاد مستقل وتصدير نفط غير منضبط رغم ان الاقليم يستحوذ على 17% من ميزانية العراق العامة.. السيطرة على ما يسمى بـ”المناطق المتنازع عليها” دون استفتاء، بل وصل الامر الى حد تهجير وطرد ابناء المكونات الاخرى غير الكردية من مناطقها.. وادخال قوات اجنبية رغم أنف الحكومة المركزية كما حصل مع القوات التركية في بعشيقة ومحطات التجسس الاسرائيلية، بالعكس هناك نوع من الاستفزاز وتعمد الاساءة، فكيف يذهب الأكراد الى فلسطين المحتلة وجوازهم العراقي يمنع ذلك وهل لا توجد دولة في العالم تشتري نفط الأكراد غير “اسرائيل”؟!!.. وختم الأكراد سياسة فرض الواقع بـ”الخندق” الذي عنوانه الفصل مع مناطق “داعش” وحقيقته ترسيم حدود دولتهم “القادمة”، في عملية ضم بالقوة لاراضي عراقية غالبية سكانها من مكونات اخرى غير كردية مدعومين بالغرب وأميركا وحلفائها الخليجيين الذين يحملون الضغينة للعراق.. ولان الحكومة المركزية ضعيفة ويبدو انها سلمت للانفصال الكردي والسني على مستوى الواقع.

لا نريد ان نحرم الأكراد او اي مكون آخر من حقهم في تقرير المصير طبقا لمبدأ “لست عليهم بمسيطر”، لكن ان يتحول الحق الى ظلم تجاه الآخرين وشوفينية وشعوبية انتقامية وأن يصير مؤامرة وعدم التزام وتقيّد بالمواثيق والاتفاقات، فهذا ما يرفضه الجميع.

ان الأزمة السياسية والاقتصادية (والاخلاقية) التي تعيشها قيادة الاقليم الكردي العراقي، لا يمكن حلها بالهروب الى الامام وخلق أزمة جديدة مع محيطها العراقي والاقليمي وان يتحول المشروع الكردي التحرري الى اساس وركن جديد للمشروع الاستعماري الاستعبادي الغربي.. لذلك اعتقد ان الحل الوحيد هو ان تعدّل القيادة الكردستانية الحالية من سلوكها الانفصالي والدكتاتوري وتتقيد بالمواثيق والقوانين في تعاملها مع اشقاء البيت الكردي ومع الحكومة المركزية والمنطقة، وان تترك اللغة الشوفينية واستفزاز الاخرين واستعدائهم.. و”من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بحجر”…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى