مقالات

العراق المحتل: أميركا تشعل التناقضات (2)

طارق الدليمي

  كان الدور المركزي في العراق للقوة الاميركية والسطوة الادارية للاختراق الايراني وعناصره المتعددة تاريخياً ومذهبياً وطائفياً. لكن التعثر الأول حصل في العام 2010 ضمن الاستحقاق الانتخابي وكيفية إدارة لعبة «تعيين» رئيس للوزارة وفي ظل أجواء التوازن القلق والمشبوه لنتائج الانتخابات. فقد فاز نوري المالكي دستورياً وانتصر إياد علاوي سياسياً. وكان لا بدّ من لملمة الوضع وتفادي العقابيل المخيفة التي يمكن أن تنتقل ببساطة من الحيز المحلي العراقي الى الميدان الإقليمي العربي وغيره. ان حجر الزاوية في هذا المنعطف هو السياسات الهدامة التي اتبعها المالكي، وضمن حدود الخطأ المسموح به، وعجزه في الاحتفاظ على التوازنات المطلوبة بين مصالحه الشخصية وبين أهداف العملية السياسية. لذلك كان لا بد من تغيير جدي في «محاصصة» العملية السياسية و «الكوندومينيوم» الحاكم. من هذه النافذة تمكنت تركيا من زيادة مناسيب غنائمها السياسية والاقتصادية. ففي العام 2007، استقال وزراء «المكون السني» احتجاجاً على استبداد المالكي الوظيفي والطوائفي، وقد استشار السفارة الاميركية في أسلوب معالجة هذا الاحتقان، وكان الردّ المركزي من ستيفن هادلي، مستشار مجلس الأمن القومي الأميركي، هو الاستعانة بالدور التركي، وإياك الرجوع الى البيئة العربية. فارتاح الوزير الأول لهذه النصيحة من منطلق عدم إفساح المجال للتدخل الخليجي الطائفي، ورفضه التنسيق مع سوريا لكونها معادية للوجود الأميركي في البلاد ولعمليته السياسية.

أوعز المالكي الى وزير الداخلية جواد البولاني بالتنسيق مع وزير الداخلية التركي بشير اتلاي، وجدد اتفاقية التعاون بين البلدين لإمكانية التدخل التركي لمحاربة «حزب العمال» الكردي في منطقة قنديل الجبلية في شمال العراق. وفي العام 2008، جاء اردوغان الى العراق وزار المرجعية في النجف واستقبله التيار الصدري بحفاوة. وأسس مع المالكي مجلس «التعاون الاستراتيجي» العراقي ـ التركي، وعقد 48 اتفاقية من ضمنها شركات تنظيف بغداد والبصرة والموصل من القمامة! لقد استخدمت أميركا جميع مؤهلاتها لدفع التابعين لها الى الاعتقاد بحقيقة ما هو موهوم ومن صنع الخيال الامبريالي. هكذا ولدت «القائمة العراقية» في بيت أردوغان في تركيا، وهي خليط سياسي هجين من العلمانية في الواجهة والطوائفية في القاعدة الاجتماعية. وهكذا كُتب «اتفاق أربيل» تحت مظلة التوازنات المعدلة. واذا كانت حصة ايران في الرئاستين، الوزارة لنوري المالكي والجمهورية لجلال الطالباني، فقد حظيت تركيا بغنيمة إيصال أسامة النجيفي الى رئاسة البرلمان، وهو حفيد ملاك أراضٍ من الموصل، كان قد طالب بإلحاقها بتركيا حين أُسست الدولة العراقية في بداية القرن المنصرم.

لقد أصبح «اتفاق أربيل» الذي ضمن صعود العامل التركي وتوّج لصوص مغارة علي بابا في الاستيلاء على السلطة والموارد، قوة مادية له زخم المرجعية الدستورية وحيوية الاستشارة السياسية، ولكنه لم يعلن ولا أحد يعرف إطاره أو محتوياته. إلا أن الأخطر في التموضع التركي الجديد كان الاندغام النوعي الجديد وجهاراً نهاراً بين أطماع «الكردية السياسية» وطموحات تركيا الاردوغانية العثمانية. بهذا المعنى، فإن الوجود والمستقبل الكردي، وبقيادة عشيرة البارزاني، أصبح رهينة بيد الفضاء الجيوسياسي التركي الاردوغاني في كل حقوله السياسية وميادينه الاقتصادية، وتحديداً في الغاز والنفط ومشتقاته. لقد قبضت تركيا الآن على «التسنّن السياسي» العراقي بفرعَيْه العربي والكردي في محاولة عصابية لتجميد «سايكس بيكو العثماني» في العام 1916، ضمن تفسيراتها المحمومة، ومنع بروز «سايكس بيكو فارسي» منتظر ضمن تهويشاتها الإعلامية. لقد أصبح الحاضر الكردي أداة جديدة لاختراق الحيوية العربية للعراق وتفتيت نسيجها التاريخي. وبهذا المعنى، فقد أصبحت تركيا مطلوبة بجدارة في المعادلة الطوائفية داخل العراق وضمن ما يسمّى «الهلال السني» في الاقليم.

يحقّ لنا القول من دون مجازفة، بأن «الكوندومينيوم» الذي تمّت صياغته منذ العام 2003 الى العام 2010، قد اهتزت خلجاته عراقياً واقليمياً، وبدأ يعبد الطريق أمام نمو وتورم «الكوندومينيوم المضاد» مذهبياً وسياسياً وكل منهما يشكل أداةً وحلاً في الوقت نفسه. بمعنى آخر، فإن الانتقال من مرحلة سيادة «الكوندومينيوم» الرسمي الفوقي، وهو يتشكّل من دول وحكومات وجيوش رسمية وبيروقراطيات متنوّعة مرتبطة بالسوق الرأسمالية بقيادة العولمة الاميركية، إلى مرحلة «التعايش» الخلاقة بين هذا «الكوندومينيوم» و «الكوندومينيوم» التحتي للحشود العريضة والصاعد من قلب المعاناة البشرية المظلمة للقطيع الإنساني المفوّت، وهو يتشكل أيضاً من حكومات ظل مزيفة وميليشيات مسلحة وبيروقراطيات متنوّعة في السياسة والإعلام لها أيضاً «سوقها» الخاصة، المسموح بها، في «الخدمات والتهريب» وتمّت بصلة خفية مع السوق الرسمية لنظام العولمة الراهن.

ما حصل مؤخراً يؤكد أنه لا بد أن ننظر الى أسنان الحصان الذي يُهديه المشرف الاميركي الى ناس البلاد، وهي بيضاء لامعة في ليل الحدث الجديد للغزو التركي لشمال العراق. أولاً: لقد سلطت الأضواء على دخول تركي عسكري بقوة صغيرة لتدريب وحماية أفراد من «الحشد الوطني» بقيادة محافظ الموصل المقال أثيل النجيفي، شقيق أسامة النجيفي، مكرسة من أجل المساهمة في تحرير الموصل ومنع قوات «الحشد الشعبي» للتشيّع السياسي من المشاركة في العملية. ثانياً: جرى التعميم الهائج لكون هذه القوة الصغيرة هي طليعة الجيش التركي في تدخله المزمع القادم من أجل تحرير الموصل وإعادة التوازن الى العملية السياسية التي دمّرتها التدخلات الإيرانية وأداتها التنفيذية، أي وزارة نوري المالكي الثانية. ثالثاً: تصاعد الاتهامات الخطيرة بين تركيا وإيران في هذا المضمار، ما يذكرنا بالصراع التاريخي بينهما على الأراضي العراقية خلال أربعة قرون ونيّف. رابعاً: التراجع الكلي عن خطط تحرير الموصل والإصرار الأميركي على اختصار تحرير الرمادي من خلال الجيش الحكومي الرسمي ومنع قوات «الحشد الشعبي»، بل التدخل المباشر من أجل تغيير قياداتها الهيكلية كشرط ميداني للتعاون معها سياسياً وعسكرياً.

الإقليم السني أو الكونفدرالية مع تركيا

لم تتحرّك حكومة حيدر العبادي قيد أنملة في مواجهة التحدّي التركي، والعرب لم يتحملوا مسؤولياتهم، والأمم المتحدة قوتها صوتية فارغة، وأميركا تطالب بنعومة بالحفاظ على استقلال العراق، والقوات التركية تبدّل من تجمّعاتها العسكرية بين «عراق المكوّنات» و «إقليم السنجق» الذي وافق على استضافة الجندرمة التركية بحسب الاقتراح الفذ للوزير الأول العبادي، وهذا اعتراف أجوف بأن السنجق خارج السيادة الوطنية للعراق. وقد طفت على سطح السجالات، جثث بعض المقترحات الإعلامية والتي يراد منها أن تكون مشاريع تاريخية جديدة. وترافق ذلك مع تصاعد اللهجة التركية في ملامسة الخلافات وإعادة نسج تصريحات جديدة، تذكّرنا بتلك التي أُطلقت في السنوات السابقة، خاصة في مراحل الحرب العراقية ـ الإيرانية والعدوان في العام 1991 والحصار الجائر على العراق بعد ذلك. ألم يقل عبد الله غول إن تركيا وافقت على انضمام الموصل الى العراق للحفاظ على وحدة العراق والتوازن المذهبي فيه؛ إن أي تصدع في هذين العنصرين قد يدفع تركيا اضطراراً الى إعادة النظر في موقفها؟

في غضون الحالة المستعصية سياسياً والدموية عسكرياً، لا بدّ من التنويه الى الذي بدأ يلوح في شاشة «الكردية السياسية»، بالتناغم مع نشاطات الخليج في تلفيق مشروع «الإقليم السني» في العراق. لقد كتبت الباحثة الكردية سوزان آميد مقالات عدة مهمة حول مصير الكرد في العراق ومستقبلهم القادم العاجل والآجل. وهي فكرياً متجاوبة مع الحزب البارزاني ومناهضة للدور الإيراني في العراق وفي الشأن الكردي أيضاً. ويبدو أنها مصرّة على أهمية المقترح الذي طرحه جلال الطالباني في العام 1992 بعد زيارته لأميركا ورجوعه إلى تركيا والاتفاق مع رئيس وزرائها تورغوت أوزال بأن أفضل حل للمسألة الكردية في العراق هو الالتحاق بتركيا. لكن الباحثة تطوّر مقترح «بالون الاختبار» الطالباني الى مجموعة من العناصر الموحّدة للتاريخ الآتي للكرد في مختلف أرجاء المنطقة. وهي تعطي الانطباع بأن كل الحلول السابقة فشلت ثم وصلت الى الطريق المسدود. ومن ثم فلا مناص من تغيير قواعد اللعبة وأن تطرح مسألة الاستقلال للسنجق الكردي وبعدها الالتحاق بتركيا ضمن صيغة «كونفدرالية» بحماية الدولة التركية. ويمكن أن تحقق هذه الصيغة تطوّر الحقوق الكردية في إطار «دولة كردية» مستقلة إذا نضجت الظروف الموضوعية والذاتية وضمن اطار وأسس القانون الدولي.

ومن خلال القراءة المتأنية لمقالات الكاتبة، لابد من الاستنتاج بأن المقترحات الأخيرة التي طرحها مسعود بارزاني حول ضرورة الاستفتاء على «الاستقلال» عن العراق ما هي الا مقدمة سياسية مفضوحة للالتحاق بتركيا تحت مظلة كونفدرالية مزوّرة. وفي هذا المقترح يغامر بارزاني بأن يحمل في حقائب الاستقلال كركوك والنفط العراقي في الشمال ويقدّمه أتاوة للسلطان العثماني الجديد أردوغان. والباحثة تؤكد بأن هذه الخطة تعطي نهاية منطقية للصراع الإيراني ـ التركي في الساحة الكردية العراقية، والذي وصل الى الذروة للعام 1996، حين اشتعل السنجق بالمعارك الضارية بين حزبي طالباني وبارزاني، ما مهّد لرجوع الجيش العراقي الى أربيل مرة ثانية. ولم يستقرّ الوضع الا بعد الدعم الإيراني لحزب طالباني وانقسام المنطقة الكردية الى سنجقين متنافسين تحت الراية الأميركية. في هذا المجرى الطيني تلوح في ثنايا اللوحة الرمادية للوضع العراقي العمارة الاحتلالية واهتزاز «الكوندومينيوم»، وكيف أن النخب الخانعة «ضيّقت على أنفسها» فضيقت الأحداث عليها وصارت في مهب الريح، وهي التي ادعت محاولة الخلاص من «الكوندومينيوم» وإذا بها تساعد في خلق «كوندومينيوم» آخر يتبارى مع الأول ويتساكن معه في إطفاء كل شموع أمل لحظة التشكل التاريخية القادمة للعراق العربي ولناسه المحرومين والفقراء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى