مقالات

الاتفاق النووي ومفاعيلهُ الاستراتيجية على معادلات القوة

جهاد حيدر

لم ينجح نتنياهو في احتواء مفاعيل ودوي الاعلان عن رفع العقوبات عن ايران، في الساحة الاسرائيلية، رغم تعليماته للوزراء بعدم التعليق على الحدث الايراني. فقد حضر الحدث بقوة على ألسنة المعلقين، الذين التقوا على حقيقة نجاح ايران في انتزاع اعتراف دولي بواقع تحولها الى دولة نووية، ورفع العقوبات عنها من دون تنازلات اقليمية، وتحديدا الموقف من اسرائيل وأمنها. واحتلت التعبيرات عن تنامي القلق في اسرائيل والانظمة المعادية لايران، صدارة الصفحات الاولى للصحف الرئيسية في تل ابيب.

في المقابل، يبقى لما ورد على لسان رئيس اركان الجيش غادي ايزنكوت، خلال كلمة له في مؤتمر معهد ابحاث الامن القومي، خصوصية محددة، بحكم منصبه العسكري والاعتبارات التي ينطلق منها في تقييمه. اذ وصف ايزنكوت رفع العقوبات بالتحول الاستراتيجي الذي سيترك اثره على الجيش الاسرائيلي.

مع ذلك، يمكن القول إن الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن ايران، هو نتيجة لتحولات استراتيجية في معادلات القوة بين ايران ومعها محور المقاومة. ومن جهة أخرى، هو حدث مؤسِّس ينطوي على تداعيات وتحولات استراتيجية على مستوى المنطقة وتحديدا على الكيان الاسرائيلي عموما، وجيشه خصوصا، كما عبّر ايزنكوت.

الاتفاق كنتيجة لتحولات استراتيجية

لم تبلغ ايران ما بلغته على المستوى النووي إلا نتيجة مسار من الانتصارات السابقة، حتى تحولت كل محطة من محطات البرنامج النووي الايراني الى معركة مكتملة العناصر، بين الجمهورية الاسلامية و”اسرائيل”، ومن ورائها الولايات المتحدة. وبفعل ذلك، كان يمكن أن تتحول أي هزيمة ايرانية في أي محطة من المحطات الى منعطف مفصلي تتجاوز نتائجه وتداعياته المجال النووي، وصولا الى بلورة معادلات تطال مجمل ساحات الصراع.

وأبرز محطات الكباش بين ايران وأعدائها، سياسة حافة الهاوية بهدف ردعها عبر اشعار ايران أنها قد تتعرض لهجوم اسرائيلي أو أميركي، وايضا محاولات عرقلة تقدم البرنامج النووي، عبر عمليات التخريب واغتيال العلماء. اضف الى ذلك العقوبات التي ارهقت الاقتصاد الايراني، من أن تؤدي الى اخضاع الجمهورية الاسلامية.. ومع كل ذلك، واصلت ايران مسارها النووي وصولا الى ما وصلت اليه. وفاجأت بذلك اصدقاءها واعداءها على حد سواء. وفي المحطات الحاسمة، ارتدعت اسرائيل عن المبادرة الى مغامرات عسكرية ضد المنشآت النووية في ايران. والسبب حسابات الكلفة والجدوى التي حضرت بقوة على طاولة صانع القرار السياسي والامني في تل ابيب. وبعبارة أخرى قراءته لمعادلات القوة في مواجهة محور المقاومة.

وأبرز تجلٍ لمعادلات القوة، والاقرار بها في واشنطن وتل ابيب، ما صدر على لسان الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي برر الاتفاق بالسؤال عن البديل عنه، وفي سياق مقاربته دحض كل ما يطرح من بدائل نظرية أخرى.

الاتفاق ورفع العقوبات كحدث مؤسس

لم تقتصر الخيبة الاسرائيلية على المضمون النووي للاتفاق، ولا على الشرعية الدولية التي انتزعتها، بل تجسدت ايضا بالفشل في انتزاع تنازلات من ايران مقابل انجازها النووي، تتصل بموقفها الرافض للاعتراف بوجود اسرائيل، وبخياراتها في دعم قوى المقاومة في لبنان وفلسطين، وايضا، لعدم تضمين الاتفاق فرض قيود على تطوير ايران قدراتها الصاروخية. وهكذا تحول الاتفاق الى منعطف استراتيجي عزَّز موقع ايران ودورها، ومعها محور المقاومة، في المعادلة الاقليمية.

ويبدو أن منشأ التقييم الذي ادلى به ايزنكوت يعود الى هذا المفهوم (انتزاع ايران مشروعية دولية، لواقع تحولها الى دولة نووية، من دون تقديم أي تنازلات تتعلق بخياراتها الاستراتيجي). والاخطر بالنسبة لاسرائيل أنها انتزعت رفع العقوبات الاقتصادية بما يوفر لها امكانات هائلة سيكون لها أثرها على قدرات ايران العلمية والعسكرية، وسيكون لذلك تداعيات مباشرة على قدرات حلفاء ايران. ومن أجل ذلك، حدد ايزنكوت أن رفع العقوبات سيترك أثره على الجيش الاسرائيلي تحديدا، الذي سيضع خططا عملانية تتصل ببناء القوة بما يتلاءم مع تعاظم قدرات وتهديدات محور المقاومة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى