مقالات

الانتصار الايراني والعدوان السعودي

عباس الزين

تقف الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم، أمام تغيراتٍ جذرية في علاقة الدول معها. فبينما تحافظ ايران على ثوابتها الأساسية، من ناحية مواجهة التوسع الأميركي في المنطقة بما فيه “إسرائيل” والمجموعات المسلحة، بالإضافة الى قدراتها العسكرية والإقتصادية المتنامية والمستقرة نوعًا ما، قامت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية برفع الحصار الإقتصادي عن إيران، والإعتراف بها كدولةٍ ذات قدراتٍ نووية سلمية.

تتسارع الدول الغربية وممثلوها على الصعد السياسية والإقتصادية، بإتجاه الجمهورية الإسلامية في إيران، لعقد الإتفاقات معها في مختلف المجالات، التي تراها ايران مناسبةً لها، وهذا ما تراه الدول الغربية مكسبًا إقتصاديًا، ونموًا في تبادلاتها التجارية، في ما يخص الإستثمارات الإقتصادية. بالإضافة الى العلاقات السياسية التي لا بدَّ منها، حيث تُعتبر إيران وبإعترافٍ غربي، لاعبًا أساسيًا في مسار حل الأزمات العالقة في المنطقة، من سوريا الى العراق، وصولًا الى اليمن، وسائر الدول الأخرى.

وقفت السعودية عاجزةً عن إيقاف التقارب الإيراني الغربي، رغم محاولاتها العديدة، جنبًا الى جنب مع “إسرائيل”، ومع توقيع الإتفاق النووي وبدء العمل به، ذهبت السعودية بعكس الدول الكبرى، عبر الإبتعاد عن ايران وقطع علاقاتها معها، في محاولةٍ يائسة لفرض نفسها إقليميًا ودوليًا، إلّا أنّ الإبتعاد السعودي عن ايران، بالتزامن مع التقارب الدولي منها، لا يؤثر على ايران بقدر ما يؤثر سلبًا على السعودية، الغارقة في مشاكلها الإقتصادية والسياسية والعسكرية، بمعزل عن علاقتها مع ايران، حيث أنّ السعودية بحاجة للحوار مع إيران أكثر، للخروج من مأزقها في سوريا واليمن بأقل الخسائر الممكنة.

ما يعني أنّ خسائر السعودية من هذا التباعد، وقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية، في ظل التقارب الدولي، ستزيد من مشاكلها، وتعمّق عزلتها الدولية، واذا كانت السعودية في اوج الحصار الإقتصادي لم تستطع فرض نفسها على ايران، فإلى أي مدى سيؤثر الدور السعودي العدائي إتجاه إيران الآن، وهي خارجة من حصارٍ اقتصادي، يضعها في مصاف الدول الإقليمية والدولية الكبرى؟

السلوك السعودي إتجاه ايران، تعاملت معه القيادة الإيرانية بكثيرٍ من ضبط النفس، لعلمها ان السعودية تريد جرها الى مواجهةٍ عسكرية، هي بالغنى عنها في الوقت الحالي، إلا ان القرارات السعودية، بدءًا من حادثة تدافع منى، وصولًا الى اعدام الشيخ النمر، لم تقف ايران امامها متفرجةً بل واجهتها بالطرق المناسبة، التي تحفظ لها تواجدها الإقليمي، ولا تسمح للسعودية بإستلام زمام المبادرة او إحراجها دوليًا. وقد أشار الرئيس الإيراني بعد بدء العمل في الإتفاق النووي، في معرِض حديثه عن العلاقات السعودية الإيرانية، الى أنّ “سلوك السعودية منذ حادثة منى ليس تصرفًا أخلاقيًا ولا يمت الى الأعراف الدبلوماسية بصلة”، مؤكدًا انه “لا يمكن ان نقبل بقتل عالم ديني، والسعودية بدأت بالمسار الخاطئ في علاقتها مع ايران”، لافتًا الى “اننا نريد حل المشاكل في المنطقة من خلال المنطق ولكن لن نقبل بأي تصرف خاطئ وسنرد بحسم عليه”.

كلام الشيخ روحاني يؤكد ان ايران تحاول قدر الإمكان حل المشاكل العالقة بالطرق السلمية، عبر السيطرة على التصرفات السعودية، ومحاولة تحجيمها. بيد أنّ السعودية ماضية في سياساتها العدائية إتجاه إيران، وقد أظهرت الأسابيع الأخيرة، وخاصة مع اقتراب العمل في الإتفاق النووي، ان القيادة السعودية تسعى الى تشكيل تحالفٍ ثلاثي يرتكز عليها، الى جانب تركيا و”إسرائيل”. تلك الخطوة المتقدمة التي اتخذتها السعودية، هي بالدرجة الأولى إظهار لتحالفٍ سري نشأ بينها وبين “الكيان الصهيوني” منذ وجوده في فلسطين، وقد حان الوقت لإعلانه لتوفر جميع الشروط، بحيث ان الرأي العام العربي في غالبيته ينصاع للإعلام السعودي، الذي يظهر إيران عدوة اكثر من “إسرائيل”.

التباعد السعودي الإيراني، رافقه تقارب سعودي “إسرائيلي” في المواقف، بما يخص الإتفاق النووي، وبالتأكيد الى جانب مواقفهما المتقاربة الى ابعد حدود بالنسبة لأزمات المنطقة. إلّا أنّ الإتفاق النووي الإيراني كشف عمق العلاقة بين “اسرائيل” والسعودية، الى حد المواقف الموحدة بإعتبار الإتفاق النووي “كارثة سياسية” عليهما، وقد اعتبرت أوساط سياسية “إسرائيلية”، أن “رفع العقوبات عن إيران أوجد تطابقًا في المصالح بين “إسرائيل” والسعودية، وباتت الرياض و”تل أبيب” تبحران في نفس القارب”. التصريحات “الإسرائيلية” التي أعقبت الإتفاق النووي تدل جميعها على ان السعودية ماضية في حلفٍ إقليمي مع “اسرائيل” هدفه الوقوف في وجه ايران، بعد ما اعتبروه خطوة غير محسوبة من واشنطن.

والدور التركي يبرز في ما اكد عليه الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان، ان “تركيا بحاجة الى”اسرائيل” كما تحتاج الأخيرة أيضًا إلى أنقرة في منطقة الشرق الأوسط”، ذلك التصريح أعقبه بدء عودة العلاقات التركية-“الإسرائيلية”، بالتزامن مع زيارة اردوغان الى السعودية وإتفاقه مع المسؤولين السعوديين على بناء جبهة عسكرية هدفها محاربة الإرهاب على حد زعمهم. إنطلاقًا من هنا، يظهر بوضوح كيف أنّ تبعات الإتفاق النووي الإيراني، قد دفعت بكل من تركيا، “اسرائيل” والسعودية، الى الإسراع بتنظيم تحالفها، حيث اجتمعت أولوياتها على محاربة إيران الصاعدة.

على المقلب الآخر وبالتوازي، تخوض السعودية حربًا من نوع آخر وأهداف أخرى، تقضي بعزل كل من يمكنه أن ينافسها إقليميًا، فيما تتوجس من أي صعود لأي دولة (حتى الحلفاء منهم كالإمارات وقطر) يمكنها من لعب دور قيادي في المنطقة، وتسعى بشكلٍ مستمر الى إنشاء تحالفات تحت مسميات “طائفية” لإظهار الصراع مع ايران على انه صراع مذهبي. وكان السعي السعودي الأبرز يصب في مسار إضعاف الدور المصري في المنطقة، لما له من تأثير قومي بالدرجة الأولى ومن ثم ديني، فعملت السعودية على استغلال الثورات المصرية المتعاقبة لصالحها، وإدخال مصر في عجزٍ إقتصادي يلزمها طلب المساعدة من السعودية، مما يعني إغلاق الباب امام الدور المصري، وإلهاءها بمشاكلها الداخلية، وذهاب السعودية بمفردها لفرض نفسها زعيمةً على الدول الإسلامية.

التحالف الثلاثي الذي يجمع السعودية الوهابية، وتركيا الأخوان المسلمين، بالإضافة الى “اسرائيل” الصهيونية، يتركز بشكلٍ اساسي ضد القيم الدينية والثقافية للعالم العربي، لأنّ الأطراف الثلاثة التي اجتمعت تحت حلفٍ واحد، تتبنى النهج التكفيري امام كل من ليس منها، وحتى لو لم تعلن السعودية وتركيا ذلك صراحةً، إلّا أن خياراتهما السياسية والعسكرية في المنطقة تؤكد ذلك، وبالنسبة لـ”اسرائيل” فإنّ هذا الامر مثبت بشكلٍ يومي.

تدخل السعودية الى جانب تركيا و”اسرائيل” في مواجهة مع ايران، مع سعيٍ الى حشدٍ دولي كان آخره قطع علاقات بعض الدول مع ايران، بالتزامن مع قطع السعودية لها، ومنها جيبوتي والصومال وجزر القمر. هنا لا بدّ من الإشارة الى أنّ السعودية تخوض حربها على اكثر من محور، واي دولة تجاري السعودية في صراعاتها فهي تشاركها في جبهاتها المختلفة. واذا استعرضنا الدول التي تبنت المواقف السعودية، فنرى انه لا علاقة لها على اي صعيد في الجبهات السعودية، إلّا أنّ الوعود السعودية بالمساعدات المالية والإقتصادية لها، دفعت تلك الدول الفقيرة الى تبني الخيارات السعودية من دون اي حسبان.

وهنا يجب التوقف كثيرًا عند الوعود السعودية تحديدًا، التي تأتي في ظل الأزمة الإقتصادية التي تمر بها، والتي دفعتها الى فرض ضرائب على المواطن السعودي نفسه، مع دخول الميزانية السعودية عجزًا تجاوز 80 مليار دولار، مما يوجب التساؤل أنّ دولةً غير قادرة على تلبية حاجات مواطنيها، وتفرض ضرائب عليهم لتسكير عجزها، كيف ستقوم بتقديم المساعدة المالية والإقتصادية للدول الأخرى؟ ما يعني ان تلك الدول وغيرها، التي تبنت الخيارات السعودية، دخلت في مواجهة لا ناقة لها فيها ولا جمل، بوعودٍ سعودية لا قدرة لها على تحقيقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى