مقالات

ثورة القبور على القصور

واثق الجابري

يبدو أن بعض الساسة خارج من دائرة التاريخ، وبلا ذاكرة وطنية، ويعتقدون أن الرجولة؛ بمجرد أنهم ليسوا من النساء، ولا يبالون بحيض الذات، وما زالوا يختزنون عادات الجاهلية وعنتريات قطاع الطرق، وعلى وجوههم بانت تجاعيد دكتاتورية تخفي صفحات دموية، وتمجد هزائم القادسيات وتبني قصورعلى الجماجم؟!

كيف لا؛ وهم لا يتذكرون الدماء الغزيرة التي سالت على أرض العراق، ومن أين يعرفون الحق ولديهم أكثر من مكيالين؟!

ما زالت أصوات الإنفجارات عالقة في ذاكرة معظم العراقيين، وتلك مشاهد القتل والترويع؛ شبح يُطارد الثكالى واليتامى والسبايا والنازحين؛ هي لسيت بعيدة عن قصوركم في بغداد، ولا عن منتجعاتكم في عمان ودبي، هي في خان بني سعد حيث سقط 200 شهيد، وفي الهويدر 120 شهيد، وآخر 80 شهيد؛ ناهيك عن القتل المتقطع، وتفجير جامع هنا وآخر هناك لإثارة الفتنة الطائفية، كلها في ديالى ولم يهتز لهم شارب؟!

أنا واحد من أغلبية العراقيين، الّذين لا يجيدون الطائفية ولا يتكلمون بها، ويُدركونها سبب مصائبنا، وهم أيضاَ يعرفون؟! لكنهم إتخذوها ورقة رابحة بعد تعفن أوراقهم، ونبشت ديدان داعش خلفياتهم؛ فتطايرت نتانة خطابهم، وتوضح خوار رؤوسهم المتدلية بحثاً بين مخلفات الأمم المنحرفة، ولم يشربوا من دجلة والفرات فتصلبت مخارجهم، وفتقت عوراتهم؟!

من حقنا السؤال؛ أين أختفى الشيخ عبدالملك السعدي؛ بعد أن لمع في ساحة التظاهر، ولماذا لم يفتي بمحاربة داعش، وأمامه نساء بَقَرَ شرفهُنّ الدواعش، ولماذا لا يتذكر صالح المطلك؛ ذاك الحذاء الذي شج وجهه وحفر تقاسيم البعث المرسومة من رأسه الى أخمص قدميه؟! وماذا كان سلاح رئيس البرلمان عندما كانت المقدادية والسعدية مدنسة بيد الدواعش، وهل يتذكر أن في كل شبر من ديالى قطرات دماء زاكية؛ أشرف من أي عار لُطخ بالخيانة والنذالة.

إن من سوء فهم السياسة؛ الإعتقاد أن من ليس في رأس السلطة معارض، والمعارضة صفحة بيضاء لحكومة سوداء، وأن الرجولة صوت عالي تخفت أمامه الأصوات، وما دام يغترف من الخارج فلا يستحق الإعالة كالنساء، وأسوء ما يسعى له السياسي؛ أن يجعل شعبه أموات يعذبون ببرزخ أنتظار ثورة القبور على القصور؛ المعجونة بدماء الأبرياء، والمزخرفة مثل كوم جماجم جرفها مد الإنانية والإنتهازية، وتأمل أن تدب الحياة وتثور من القبور.

وطننا كبحر إمتزج فيها البترول والدماء؛ فتجمع حوله السراق والقتلة، وعلى حواشيه القاذورات والحشرات والمتطفلين.

لا يختلف الطائفيون عن الحشرات والقاذورات والمتطفلين، وستقذفهم شواطي الوطن ويرحلون مع الدواعش، وستبقى لنا في كل شارع صورة شهيد، وفي كل بقعة قطرة دماء؛ تحكي قصص الجهاد والبطولة، وتتذكر الخيانة ونكران الجميل، وسيصرخ التاريخ الى من تاجروا بأرض وشرف الوطن: أنكم لا تسكنون قصور؛ وإنما تنامون كالأفاعي في القبور والجحور، وتثور الدماء، وسيشرب الشهداء من نهر الكوثر، و”إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Captcha loading...

زر الذهاب إلى الأعلى